الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩ - أرطأة يقيم عند قبر ابنه حولا و يرق قومه لحاله بعد ذلك فيقيمون عامهم ذلك
إليها و هي عند رأسه، فقالت له: إنك لتنظر إليّ نظر رجل له حاجة، قال: إي و اللّه إن لي إليك حاجة لو ظفرت بها لهان علي ما أنا فيه. قالت: و ما هي؟ قال: أخاف أن تتزوّجي بعدي. قالت: فما يرضيك من ذلك؟ قال: أن توثّقي لي/ بالأيمان المغلّظة. فحلفت له بكلّ يمين سكنت إليها نفسه ثم هلك. فلما قضت عدتها خطبها عمر بن عبد العزيز و هو- أمير المدينة- فأرسلت إليه: ما أراك إلا و قد بلغتك يميني، فأرسل إليها: لك مكان كلّ عبد و أمة عبدان و أمتان، و مكان كلّ علق [١] علقان، و مكان كلّ شيء ضعفه. فتزوّجته، فدخل عليها بطال بالمدينة، و قيل:
بل كان رجلا من مشيخة قريش مغفّلا، فلما رآها مع عمر جالسة قال:
تبدلت بعد الخيزران جريدة
و بعد ثياب الخزّ أحلام نائم
فقال له عمر: جعلتني ويلك جريدة و أحلام نائم! فقالت أمّ هشام: ليس كما قلت، و لكن كما قال أرطاة بن سهية:
و كائن ترى من ذات بثّ و عولة
بكت شجوها بعد الحنين المرجع
فكانت كذات البو [٢] لمّا تعطفت
على قطع من شلوه المتمزّع
متى لا تجده تنصرف لطياتها [٣]
من الأرض أو تعمد لإلف فتربع
عن الدهر فاصفح إنه غير معتب
و في غير من قد وارت الأرض فاطمع
و هذه الأبيات من قصيدة يرثي بها أرطاة ابنه عمرا.
أرطأة يقيم عند قبر ابنه حولا و يرق قومه لحاله بعد ذلك فيقيمون عامهم ذلك
أخبرني محمّد بن عمران الصّيرفيّ، قال: حدّثنا الحسن بن عليل، قال: حدّثنا قعنب بن المحرز عن أبي عبيدة، قال: كان لأرطاة بن سهيّة ابن يقال له: عمرو، فمات، فجزع عليه أرطاة حتى كاد عقله يذهب، فأقام على قبره، و ضرب بيته عنده لا يفارقه حولا. ثم إن الحيّ أراد الرّحيل بعد حول لنجعة بغوها، فغدا على قبره، فجلس عنده/ حتى إذا حان الرواح ناداه: رح يا ابن سلمى معنا! فقال له قومه: ننشدك اللّه في نفسك و عقلك و دينك، كيف يروح معك من مات مذ حول؟ فقال: أنظروني الليلة إلى الغد. فأقاموا عليه، فلمّا أصبح ناداه: اغد يا ابن سلمى معنا، فلم يزل الناس يذكّرونه اللّه و يناشدونه، فانتضى سيفه و عقر راحلته على قبره، و قال: و اللّه لا أتبعكم فامضوا إن شئتم أو أقيموا. فرقّوا له و رحموه، فأقاموا عامهم ذلك، و صبروا على منزلهم. و قال أرطاة يومئذ في ابنه عمرو يرثيه:
وقفت على قبر ابن سلمى فلم يكن
وقوفي عليه غير مبكى و مجزع
هل انت ابن سلمى إن نظرتك رائح
مع الركب أو غاد غداة غد معي
أ أنسى ابن سلمى و هو لم يأت دونه
من الدهر إلا بعض صيف و مربع/
وقفت على جثمان عمرو فلم أجد
سوى جدث عاف ببيداء بلقع
[١] العلق: النفيس من كل شيء.
[٢] البوّ: جلد الحوار يحشى ثماما أو تبنا أو غيرهما فيقرب من أم الفصيل فتعطف عليه فتدر.
[٣] طياتها (غير مشددة): أراد بها طياتها (بالتشديد) فحذف الياء الثانية. و هي جمع طية. و الطية هنا: الوجه الّذي يراد و يقصد. و قد نص صاحب «اللسان» على تخفيف ياء هذا الجمع في الشعر.