الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٣٠٢
١ـ إن العرب في الجاهلية كانوا مجتمعاً عشائرياً قبلياً. وحين مجيء الإسلام تضاءل صوت القبلية والعشائرية إلى حد الخفوت، بصورة عامة. ولكنه بقي حياً وكامناً في أعماق الكثيرين، وبإمكان كل أحد أن يرى إطلالاته المتكررة، كلما سنحت له الفرصة، وواتاه الظرف..
٢ ـ إن الإنسان العربي قبل الإسلام لم يكن لديه ـ باستثناء البيت الهاشمي وما سبقهم من أنبياء عرب كما يقال في هود وصالح ـ لم يكن لديه ـ إلا الشاذ النادر، من الشخصيات الكبار، الذين يستطيع أن يباهي بهم، لم يكن لديه حضارة ولا تاريخ متميز، يمكنه أن يجد فيه ما يرضي غروره، وأن يبعث فيه الزهو والإعتزاز.
بل كان هذا المجتمع عبارة عن مجموعات بشرية، تعيش جاهليتها، وتجتر ضعفها، وترضى بانسحاقها، وبتقوقعها في داخل محيطها الضيق، والخانق والقاتل.
وكانوا يتعاملون مع كل الأمم التي تحيط بهم، من موقع الحاجة، والضعف، والإستكانة، والفقر، فيقيسون ما هم فيه من ذل إلى ملك كسروي، وجبروت قيصري، فيرون البون الشاسع والفرق الكبير، فأين الثريا من الثرى. وأين الحضيض من السها. ثم هم ما بين ليلة وضحاها إنقلبت بهم الأمور، وأصبحوا هم الملوك على الناس، وصار مال الدنيا والملك بأيديهم. وقد وصف لنا قتادة حالهم قبل وبعد الإسلام فقال:
(كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلاً، وأشقاه عيشاً، وأبينه ضلالة، وأعراه جلوداً، وأجوعه بطوناً، معكومين على رأس حجر بين