شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ١٨٢ - فصل في ذكر ما رآه (صلى الله عليه و سلم) من عجائب المخلوقات ليلة الإسراء
النار تذيب الثلج، و لا الثلج يطفئ النار، و هو قائم ينادي: سبحان ربي الذي كف بردة هذا الثلج فلا يطفئ حر هذه النار، سبحان ربي الذي كف حر هذه النار فلا تذيب هذا الثلج، اللّهمّ مؤلفا بين الثلج و النار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا ملك من الملائكة، وكله اللّه بأكناف السماوات و أطراف الأرضين، و هو من أنصح الملائكة لأهل الأرض من المؤمنين، يدعوا لهم بما تسمع، و هذا قوله منذ خلق.
قال (صلى الله عليه و سلم): ثم مررت بملك آخر جالس على كرسي له، و إذا جميع الدنيا و ما فيها بين ركبتيه، بيده لوح من نور مكتوب، ينظر فيه و لا يلتفت عنه يمينا و شمالا، مقبل عليه، عليه هيئة الحزين، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا ملك الموت، يقبض الأرواح، و هو من أشد الملائكة عملا، قلت: يا جبريل فكل من مات من ذوي الأرواح فهو يقبض روحه؟! قال: نعم، و يراهم أينما كانوا، و يشهدهم بنفسه.
قلت: كفى بالموت طامة، قال جبريل (عليه السلام): ما بعد الموت أطم و أعظم، قلت: و ما ذاك يا جبريل؟ قال: منكر و نكير، يأتيان كل إنسان من البشر حين يوضع في القبر و يترك وحيدا.
قلت: يا جبريل أرينيهما، قال: لا تفعل يا محمد، فإني أرهب أن تفزع منهما أو تهال أشد الهول، فلم يرهما أحد من ولد آدم إلا بعد الموت، و لا يراهما أحد من البشر إلا مات فزعا منهما، و هما أعظم شأنا مما تظن، قلت: يا جبريل صفهما لي، قال: نعم، من غير أن أذكر طولهما فإن ذلك منهما أفظع، غير أن أصواتهما كالرعد القاصف، و أنيابهما كصياصي البقر، يكسحان الأرض بأشفارهما،