سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٣٤ - الباب السابع و التسعون في وفود الجن إليه (صلّى اللّه عليه و سلم)
قصة أخرى:
روى أبو نعيم عن الزبير بن العوّام رضي اللّه تعالى عنه قال: صلى بنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: «أيّكم يتبعني إلى وفد الجنّ الليلة؟» فخرجت معه حتى خنست عنا جبال المدينة كلها و أفضينا إلى أرض فإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستثفرين ثيابهم من بين أرجلهم. فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تحملني رجلاي من الفرق، فلما دنونا منهم خطّ إلي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بإبهام رجله خطّا.
فقال: «اقعد في وسطه» فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة، و مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بيني و بينهم، فتلا قرآنا و بقوا حتى طلع الفجر ثم أقبل. فقال: «الحقني».
فمشيت معه فمضينا غير بعيد فقال لي: «التفت و انظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد؟» فخفض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الأرض عظما و روثة ثم رمى بهما و قال: «إنهم سألوا الزاد فقلت لهم لكم كل عظيم و روثة» [١].
قصة أخرى: روى الإمام أحمد و الترمذي و مسلم عن علقمة قال: قلت لابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه: هل صحب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من أحد ليلة الجنّ؟ قلت: ما صحبه منا أحد و لكن فقدناه ذات ليلة فالتمسناه في الأودية و في الشّعاب فقلنا: اغتيل؟ استطير؟ ما فعل؟ فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء.
فقلنا: يا رسول اللّه، فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فقال: «إنه أتاني داعي الجنّ فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن. قال: فانطلق فأرانا آثارهم و آثار نيرانهم. و سألوه الزّاد فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم اللّه عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحما و كل بعرة أو روثة علف لدوابّكم»، قال: «فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجنّ»
و قال الشعبي (رحمه اللّه تعالى): و كانوا من جن الجزيرة.
و في رواية ابن جرير عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: «بت الليلة أقرأ على الجنّ واقفا بالحجون»
[٢]. و قوله إنه لم يكن مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أصحّ مما
رواه ابن جرير على الزهري قال: أخبرنا أبو عثمان بن سنّة- بفتح المهملة و تشديد النون- الخزاعي أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال لأصحابه و هو بمكة: «من أحبّ منكم أن يحضر الليلة أثر الجنّ فليفعل».
فلم يحضر معهم أحد غيري. قال: فانطلقنا فإذا كنا بأعلى مكة خطّ لي برجله خطّأ ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى إذا قام فافتتح القرآن
[١] ذكره الهيثمي في المجمع ١/ ٢١٥ و قال: رواه الطبراني في الكبير و إسناده حسن ليس فيه غير بقية و قد صرح بالتحديث.
[٢] أخرجه الطبري في التفسير ٢٦/ ٢١ و أحمد في المسند ١/ ٤١٦ و ذكره ابن كثير في التفسير ٧/ ٢٧٥.