سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٠٤ - الباب الخامس و العشرون في قدوم الجارود بن المعلّى، و سلمة بن عياض الأسدي إليه (صلّى اللّه عليه و سلم)
تسألني عن دماء الجاهلية و عن حلف الجاهلية و عن المنيحة، ألا و إن دم الجاهلية موضوع و حلفها مشدود. و لم يزدها الإسلام إلا شدّة، و لا حلف في الإسلام، ألا و إنّ الفضل الصّدقة أن تمنح أخاك ظهر دابّة أو لبن شاة، فإنها تغدو برفد، و تروح بمثله. و أما أنت يا سلمة فإنك أضمرت على أن تسألني عن عبادة الأصنام، و عن يوم السّباسب و عن عقل الهجين، فأما عبادة الأصنام فإن اللّه تعالى يقول: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء ٩٨] و أما يوم السباسب فقد أعقب اللّه تعالى منه ليلة خير من ألف شهر، فاطلبوها في العشر الأواخر من شهر رمضان فإنها ليلة بلجة سمحة لا ريح فيها تطلع الشمس في صبيحتها لا شعاع لها، و أما عقل الهجين فإن المؤمنين إخوة تتكافأ دماؤهم يجير أقصاهم على أدناهم أكرمهم عند اللّه أتقاهم».
فقالا: نشهد ألا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أنك عبد اللّه و رسوله.
و عند ابن إسحاق عمّن لا يتّهم عن الحسن أن الجارود لما انتهى إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كلّمه فعرض عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الإسلام، و دعاه إليه، و رغّبة فيه. فقال: يا محمد إني كنت على دين و إني تارك ديني لدينك أ فتضمن لي ديني؟ فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «نعم أنا ضامن أن قد هداك اللّه إلى ما هو خير منه». فأسلم و أسلم أصحابه. ثم سأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الحملان فقال: «و اللّه ما عندي ما أحملكم عليه». فقال: يا رسول اللّه فإن بيننا و بين بلادنا ضوال من ضوال الناس- و في لفظ المسلمين- أ فنتبلّغ عليها إلى بلادنا؟ قال: «لا، إيّاك و إيّاها فإنما تلك حرق النار»
انتهى
فقال: «يا رسول اللّه ادع لنا أن يجمع اللّه قومنا». فقال «اللهم اجمع لهم ألفة قومهم و بارك لهم في برّهم و بحرهم». فقال الجارود: يا رسول اللّه أيّ المال اتّخذ ببلادي؟ قال: «و ما بلادك؟» قال: مأواها وعاء و نبتها شفاء، و ريحها صبا و نخلها غواد. قال: «عليك بالإبل فإنها حمولة و الحمل يكون عددا. و الناقة ذودا».
قال سلمة: يا رسول اللّه أيّ المال اتّخذ ببلادي؟ قال: «و ما بلادك؟» قال: مأواها سباح و نخلها صراح و تلاعها فياح. قال: «عليكم بالغنم فإن ألبانها سجل و أصوافها أثاث و أولادها بركة و لك الأكيلة و الربا».
فانصرفا إلى قومهما مسلمين. و عند ابن إسحاق فخرج من عنده الجارود راجعا إلى قومه و كان حسن الإسلام صليبا على دينه حتى مات و قد أدرك الرّدّة فثبت على إيمانه، و لما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينه الأول مع الغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر قام الجارود فشهد شهادة الحق و دعا إلى الإسلام فقال: أيها الناس إني أشهد ألا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله و أكفّر من لم يشهد. و قال الجارود: