سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩٩ - الباب الثلاثون في سرية زيد بن حارثة رضي اللَّه تعالى عنهما إلى وادي القرى أيضا في رمضان سنة ست
الباب الثلاثون في سرية زيد بن حارثة رضي اللَّه تعالى عنهما إلى وادي القرى أيضا في رمضان سنة ست
قال موسى بن عائذ (رحمه اللّه تعالى): أخبرني الوليد بن مسلم عن عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة رضي اللَّه تعالى عنه قال: ارتثّ زيد بن حارثة من وسط القتلى. و قال محمد بن عمر: حدثنا عبد اللَّه بن جعفر عن عبد اللَّه بن حسين بن حسن علي بن أبي طالب قال: خرج زيد بن حارثة رضي اللَّه عنهما في تجارة إلى الشام و أبضع معه جماعة من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلما كان دون وادي القرى و معه ناس من أصحابه لقيه ناس كثيرون من بني فزارة من بني بدر فضربوه و ضربوا أصحابه حتى ظنّوا أنهم قد قتلوا، و أخذوا ما معهم. فقدموا المدينة و نذر زيد بن حارثة ألا يمسّ رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة. فلما استبلّ من جراحته
بعثه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في سريّة و قال لهم: «أكمنوا النهار و سيروا الليل».
فخرج بهم دليل من بني فزارة و قد نذرت بنو بدر، فكانوا يجعلون ناظورا لهم حين يصبحون فينظر على جبل مشرف وجه الطريق الذي يرون أنهم يؤتون منه، فينظر قدر مسيرة يوم، فيقول اسرحوا فلا بأس عليكم.
فإذا أمسوا و كان العشاء أوفى على منظره ذلك فينظر مسيرة ليلة فيقول: ناموا فلا بأس عليكم هذه الليلة.
فما كان زيد بن حارثة و أصحابه على نحو مسيرة ليلة، أخطأ بهم الطريق دليلهم فأخذ بهم طريقا أخرى حتى أمسوا و هو على خطأ ففرجوا خطاهم، ثم صمدوا لهم في الليل حتى صبّحوهم، فأحاطوا بالحاضر، ثم كبّر و كبّر أصحابه. و خرج سلمة بن الأكوع رضي اللَّه عنه يطلب رجلا منهم حتى قتله و قد كان أمعن في طلبه. و قتل قيس بن المسحّر النعمان [و عبيد اللَّه] ابني مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر، و أسر عبد اللَّه بن مسعدة، و أخذت جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر و أمها أم قرفة و اسمها فاطمة بنت ربيعة بن بدر و كانت عند حذيفة بن بدر، و هي عجوز كبيرة كانت في بيت شرف من قومها. و كانت العرب تقول: «لو كنت أعزّ من أم قرفة [ما زدت] لأنها كانت تعلق في بيتها خمسين سيفا كلهم لها ذو محرم.
و كان لها اثنا عشر ولدا كما في الزهر، كنّيت بابنها قرفة قتله النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و سائر بنيها قتلوا مع طليحة في الردّة فلا خير فيها و لا في بنيها. فأمر زيد بن حارثة بقتل أم قرفة لسبّها سيدنا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقتلت قتلا عنيفا.
قال محمد بن عمر، و ابن سعد: و لما قدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك قرع باب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقام إليه عريانا يجرّ ثوبه حتى اعنقه و قبّله فأخبره زيد بما ظفّره اللَّه تعالى به.