سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٨ - الباب السادس عشر في سرية المنذر بن عمرو الساعدي رضي اللّه تعالى عنه إلى بئر معونة و هي سرية القراء رضي اللّه تعالى عنهم، في صفر على رأس ستة و ثلاثين شهرا من الهجرة
و في رواية يحتطبون فيبيعونه و يشترون به [الطعام] لأهل الصّفّة و للفقراء. و في رواية: و من كان عنده سعة اجتمعوا و اشتروا الشاة فأصلحوها فيصبح ذلك معلّقا بحجر أزواج رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
فكان أهلوهم يظنون أنهم في المسجد، و كان أهل المسجد يظنون أنهم في أهليهم [١].
و ذكر ابن عقبة (رحمه اللّه تعالى) أنهم أربعون. و قال أنس كما في الصحيح أنهم سبعون كما سيأتي بيان ذلك. فبعثهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و بعث معهم كتابا، و أمّر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي. فخرج المنذر بن عمرو بدليل من بني سليم يقال له المطّلب [السّلمي] فخرجوا حتى إذا كانوا على بئر معونة عسكروا بها و سرحوا ظهرهم مع عمرو بن أمية الضّمري، و الحارث بن الصّمّة فيما ذكره أبو عمر، و ذكر ابن إسحاق و تبعه ابن هشام بدل الحارث المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح.
و بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى عامر بن الطفيل في رجال من بني عامر، فلما انتهى عامر إليهم لم يقرأوا الكتاب، و وثب عامر بن الطفيل في رجال من بني عامر على حرام فقتلوه. و في الصحيح عن أنس [٢]: «فتقدمهم خالي حرام بن ملحان و رجل أعرج قال ابن هشام اسمه كعب بن زيد، زاد البيهقي و رجل آخر من بني فلان. فقال لهما خالي حرام بن ملحان: «إذا تقدّمكم فكونا قريبا مني فإن أمنتوني حين أبلغهم عن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأتيا، و إن قتلوني لحقتما بأصحابكما».
فتقدم فأمّنوه فبينما هو يحدثّهم عن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا أومأوا إلى رجل منهم، فأتى من خلفه فطعنه فأنفذه فقال: «اللَّه أكبر فزت و ربّ الكعبة». ثم قال: «بالدم هكذا» فنضحه على وجهه [٣]. و نجا كعب بن زيد لأنه كان في جبل. و استصرخ عامر بن الطفيل عليهم ببني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم و قالوا: لن نخفر جوار أبي براء و قد عقد لهم عقدا و جوارا.
فلما أبت بنو عامر أن تنفر مع عامر بن الطفيل استصرخ عليهم قبائل من بني سليم:
غصيّة و رعل و ذكوان و زعب. فنفروا معه و رأسوه عليهم. فقال عامر بن الطفيل: أحلف باللَّه ما أقبل هذا وحده. فاتبعوا أثره حتى وجدوا القوم. فلما استبطئوا صاحبهم أقبلوا في أثرهم فلقيهم القوم. و المنذر بن عمرو معهم فأحاطوا بهم في رحالهم. فلما رآهم المسلمون أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم. و في رواية قتادة عن أنس: فلما كانوا ببئر معونة قتلوهم
[١] أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ١/ ٣٦.
[٢] انظر صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٤٦.
[٣] انظر البخاري الموضع السابق (٤٠٩٢).