سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧ - تنبيهات
بغلا إلى الطائف و اشترط عليه المكري أن ينزله حيث شاء قال فمال به إلى خربة فقال له انزل، فنزل فإذا في الخربة قتلى كثيرة. قال فلما أراد أن يقتله قال له: دعني أصلّي ركعتين. قال:
صلّ، فقد صلّى هؤلاء قبلك فلم تنفعهم صلاتهم شيئا. قال فلما صلّيت أتاني ليقتلني. قال فقلت: «يا أرحم الراحمين». قال فسمع صوتا قال: لا تقتله. قال: فهاب ذلك فخرج يطلب أحدا فلم ير شيئا، فرجع إليّ، فناديت: يا أرحم الراحمين، ففعل ذلك ثلاثا. فإذا أنا بفارس على فرس في يده حربة من حديد في رأسها شعلة من نار فطعنه بها فأنفذها من ظهره فوقع ميتا. ثم قال لي: «لما دعوت المرّة الأولى يا أرحم الراحمين كنت في السماء السابعة. فلما دعوت المرة الثانية يا أرحم الراحمين كنت في السماء الدنيا فلما دعوت المرة الثالثة يا أرحم الراحمين أتيتك». انتهى فهذا كما ترى غير متصل فلا يقاوم ما في الصحيح.
الثالث: قال السهيلي (رحمه اللّه تعالى): «و إنما صار فعل خبيب رضي اللَّه تعالى عنه سنّة [حسنة]. و السنّة إنما هي أقوال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أفعاله و إقراره غيره على قول أو فعل لأن خبيبا فعلهما في حياة رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فاستحسن ذلك من فعله.
الرابع: قال في الروض: «فإن قيل: فهل أجيبت فيهم دعوة خبيب؟ و الدعوة على تلك الحال من مثل ذلك العبد مستجابة. قلنا: أصابت منهم من سبق في علم اللَّه أن يموت كافرا، و من أسلم منهم فلم يعنه خبيب و لا قصده بدعائه، و من قتل منهم كافرا بعد هذه الدعوة فإنما قتلوا بددا غير معسكرين و لا مجتمعين كاجتماعهم في أحد، و قبل ذلك في بدر، و إن كانت الخندق بعد قصة خبيب فقد قتل فيها منهم آحاد متبدّدون، ثم لم يكن لهم بعد ذلك جمع و لا معسكر غزوا فيه فنفذت الدعوة على صورتها و فيمن أراد خبيب (رحمه اللّه تعالى) و حاشا له أن يكره إيمانهم و إسلامهم.
الخامس: قول سيدنا خبيب: «ذلك في ذات الإله» إلى آخره قال أبو القاسم الراغب:
«الذات تأنيث ذو و هي كلمة يتوصّل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس و الأنواع و تضاف إلى الظاهر دون المضمر و تثنّى و تجمع و لا يستعمل شيء منها إلا مضافا و قد يسبقها لفظ الذات لعين الشيء، و استعملوها مفردة و مضافة و أدخلوا عليها الألف و اللام و أجروها مجرى النفس و الخاصة [فقالوا ذاته و نفسه و خاصته] و ليس ذلك من كلام العرب». و قال القاضي: ذات الشيء نفسه و حقيقته. و قد استعمل أهل الكلام «الذات» بالألف و اللام و غلّطهم أكثر النحاة و جوزه بعضهم لأنها ترد بمعنى النفس و حقيقة الشيء، و جاء في الشعر لكنه شاذّ. و قال ابن برهان- بفتح الباء الموحدة- «إطلاق المتكلمين الذات في حق اللَّه تعالى من جهلهم لأن ذات تأنيث ذو، و هو جلّت عظمته لا يصح له إلحاق تأنيث، و لهذا امتنع أن يقال علّامة و إن كان