سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١٧ - الباب الحادي و التسعون في وفود علماء نجران إليه (صلّى اللّه عليه و سلم) و شهادتهم له بأنه النبي الذي كانوا ينتظرونه و امتناع من امتنع عن ملاعنته
يعرفونهما، فوجدوهما في ناس من المهاجرين و الأنصار في مجلس فقالوا لهما: يا عثمان و يا عبد الرحمن، إن نبيّكما كتب إلينا كتابا فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلّمنا عليه فلم يردّ سلامنا، و تصدّينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا أن يكلّمنا فما الرأي منكما؟ أ نعود إليه أم نرجع إلى بلادنا؟.
فقالا لعلي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه و هو في القوم: ما الرأي في هؤلاء القوم يا أبا الحسن؟ فقال لهما: أرى أن يضعوا حللهم هذه و خواتيمهم و يلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا إليه. ففعل وفد نجران ذلك و وضعوا حللهم و نزعوا خواتيمهم و لبسوا ثياب سفرهم و رجعوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فسلّموا عليه فردّ عليهم سلامهم ثم قال: «و الذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى و أن إبليس لمعهم».
ذكر دعائه (صلّى اللّه عليه و سلم) وفد نجران إلى الإسلام و ما دار بينه و بينهم:
روى الحاكم و صحّحه، و ابن مردويه، و أبو نعيم عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه، و ابن سعد، و عبد بن حميد عن الأزرق بن قيس (رحمه اللّه تعالى) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) دعا وفد نجران إلى الإسلام فقال العاقب السيد، عبد المسيح، و أبو حارثة بن علقمة: قد أسلمنا يا محمد، فقال: «إنكما لم تسلما».
قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما، يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب و أكلكما الخنزير و زعمكما أن لله ولدا». ثم سألهم و سألوه، فلم تزل به و بهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ابن مريم؟ فإنا نرجع إلى قومنا و نحن نصارى، يسرّنا إن كنت نبيا أن نعلم قولك فيه.
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول اللّه في عيسى». و روى ابن جرير عن عبد اللّه بن الحارث بن جزء الزّبيدي رضي اللّه تعالى عنه أنه سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: «ثبت بيني و بين أهل نجران حجاب فلا أراهم و لا يروني»،
من شدّة ما كانوا يمارون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، انتهى.
و روى ابن جرير، و ابن أبي حاتم عن ابن عباس، و ابن سعد عن الأزرق بن قيس، و ابن جرير عن السّدّي، و ابن جرير، و ابن المنذر عن أبي جريج: أن نصارى نجران قالوا: يا محمد، فيم تشتم صاحبنا؟ قال: «من صاحبكم»؟ قالوا: عيسى ابن مريم تزعم أنه عبد. قال: «أجل إنه عبد اللّه و روحه و كلمته، ألقاها إلى مريم و روح منه». فغضبوا و قالوا: لا و لكنه هو اللّه نزل من ملكه
فدخل في جوف مريم ثم خرج منها فأرانا قدرته و أمره، فهل رأيت قط إنسانا خلق من غير أب؟.
فأنزل اللّه تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة ١٧]