سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١٦ - الباب الحادي و التسعون في وفود علماء نجران إليه (صلّى اللّه عليه و سلم) و شهادتهم له بأنه النبي الذي كانوا ينتظرونه و امتناع من امتنع عن ملاعنته
جبّار بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب و سأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل بن وداعة، و عبد اللّه بن شرحبيل، فأمره الأسقف فجلس ناحية.
فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، و رفعت النيران السرج في الصوامع و كذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا نهارا فإن فزعوا بالليل ضربوا بالناقوس و رفعوا النيران في الصوامع. فاجتمع حين ضرب بالناقوس و رفعت السّرج أهل الوادي أملاه و أسفله، و طول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، و فيه ثلاث و سبعون قرية، و مائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم الأسقف كتاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و سألهم عن الرأي فيه. فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، و عبد اللّه بن شرحبيل الأصبحي، و جبّار بن فيض الحارثي فيأتوهم بخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و قال ابن إسحاق: و قدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) وفد نصارى نجران، ستون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم منهم العاقب و هو عبد المسيح و السّيّد و هو الأيهم، و أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل، و أوس، و الحارث، و زيد، و قيس، و يزيد، و بنيه و خويلد، و عمرو، و خالد، و عبد اللّه، و يحنس، منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم و ذو رأيهم و صاحب مشورتهم و الذي لا يصدرون إلا عن رأيه، و اسمه عبد المسيح و السّيّد ثمالهم و صاحب رحلهم و مجتمعهم و اسمه الأيهم.
و أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل أسقفهم و حبرهم و إمامهم، و صاحب مدراسهم، و كان أبو حارثة قد شرف فيهم و درس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرّفوه و موّلوه و أخدموه و بنوا له الكنائس و بسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من علمه و اجتهاده في دينهم. فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السّفر عنهم و لبسوا حللا لهم يجرّونها من حبرة و تختّموا بالذهب. و في لفظ:
دخلوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في مسجده [في المدينة] حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات: جبب و أردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب.
فقال بعض من رآهم من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يومئذ: ما رأينا وفدا مثلهم. و قد حازت صلاتهم. فقاموا في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يصلّون نحو المشرق، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «دعوهم». ثم أتوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فسلّموا عليه فلم يردّ (عليهم السلام)، و تصدّوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلّمهم و عليهم تلك الحلل و الخواتيم الذّهب.
فانطلقوا يتّبعون عثمان بن عفان، و عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنهما و كانوا