سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٠٦ - تنبيهات
قال: قلت: نحلّ منها حيث شئنا و لا يجني على امرئ إلا نفسه؟ فبسط إليّ يده و قال:
«ذلك لك، تحلّ حيث شئت و لا يجزي عنك إلا نفسك». قال: فانصرفنا عنه. فقال: «ها إن ذين ها إن ذين، مرّتين، من أتقى الناس في الأولى و الآخرة». فقال له كعب بن الخداريّة، أحد بني بكر بن كلاب: من هم يا رسول اللّه؟ قال: «بنو المنتفق أهل ذلك منهم». قال: فانصرفنا و أقبلت عليه فقلت: يا رسول اللّه، هل لأحد ممّن مضى من خير في جاهليتهم؟ فقال رجل من عرض قريش: و اللّه إن أباك المنتفق لفي النار، قال: فلكأنّه وقع حرّ بين جلدة وجهي و لحمه ممّا قال لأبي، على رؤوس الناس، فهممت أن أقول و أبوك يا رسول اللّه، ثم إذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول اللّه و أهلك. قال: «و أهلي لعمر اللّه حيث ما أتيت على قبر عامري أن قرشي أو دوسيّ قل أرسلني إليك محمد فأبشر بما يسؤك تجرّ على وجهك و بطنك في النار».
قال: قلت: يا رسول اللّه و ما فعل بهم ذلك؟ و قد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه و كانوا يحسبون أنهم مصلحون. قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «ذلك بأن اللّه تعالى بعث في آخر كل سبع أمم نبيا، فمن عصى نبيّه كان من الضالّين و من أطاع نبيّه كان من المهتدين».
رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند، و الطبراني. و قال الحافظ أبو الحسن الهيثمي (رحمه اللّه تعالى): أسنادها متصلة و رجالها ثقات. و إسناد الطبراني مرسل عن عاصم بن لقيط. و قال في زاد المعاد: «هذا حديث كبير جليل تنادى جلالته و فخامته و عظمته على أنه خرج من مشكاة النّبوّة، رواه أئمة السّنّة في كتبهم و تلقوه بالقبول و قابلوه بالتسليم و الانقياد، و لم يطعن أحد منهم فيه و لا في أحد من رواته». و سرد [ابن القيّم] من رواه من الأئمة، منهم البيهقي في كتاب البعث.
تنبيهات
الأول: قال في زاد المعاد: «
قوله (عليه الصلاة و السلام): «فيظلّ يضحك»،
هذا من صفات أفعاله سبحانه و تعالى التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته، و قد وردت هذه القصة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردّها، كما لا سبيل إلى تشبيهها و تحريفها و كذلك
قوله: «فأصبح ربّك يطوف في الأرض»،
هو من صفات أفعاله كقوله تعالى: وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر ٢٢]، و قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام ١٥٨]. و ينزل ربّنا كل ليلة إلى السماء الدنيا [و يدنو عشيّة عرفة فيباهي بأهل الموقف الملائكة]، و الكلام في الجميع صراط واحد مستقيم، إثبات بلا تمثيل و تشبيه، و تنزيه بلا تحريف و تعطيل.