سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٦ - الباب السبعون في وفود عمرو بن معدي كرب الزبيدي إليه (صلّى اللّه عليه و سلم)
الباب السبعون في وفود عمرو بن معدي كرب الزبيدي إليه (صلّى اللّه عليه و سلم)
قدم عمرو بن معدي كرب في أناس من بني زبيد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأسلم، و كان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرادي- و قيس بن أخته- يا قيس إنك سيّد قومك، و قد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول إنه نبيّ فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيّا كما يقول فإنه لن يخفى عنك، إذا لقيناه اتّبعناه، و إن كان غير ذلك علمنا علمه. فأبي عليه قيس ذلك و سفّه رأيه، فركب عمرو بن معدي كرب حتى قدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأسلم و صدّقه و آمن به فلما بلغ ذلك قيسا أوعد عمرا [و تحطّم عليه و قال خالفني و ترك رأيي] فقال عمرو في ذلك شعرا أوّله:
أمرتك يوم ذي صنعا* * * ءأمرا باديا رشده
قال ابن إسحاق (رحمه اللّه تعالى): فأقام عمرو بن معدي كرب في قومه من بني زبيد و عليهم فروة بن مسيك، فلما توفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ارتدّ عمرو. قال ابن سعد: ثم رجع إلى الإسلام و أبلى يوم القادسية و غيرها.
و ذكر أبو عمرو من طريق ابن عبد الحكم قال: حدثنا الشافعي قال: وجّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عليّ بن أبي طالب، و خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن و قال: «إذا اجتمعتما فعليّ الأمير، و إذا افترقتما فكل واحد منكما أمير».
فاجتمعا. و بلغ عمرو بن معدي كرب مكانهما، فأقبل في جماعة من قومه فلما دنا منهما قال: «دعوني حتى آتي هؤلاء القوم فإني لم أسمّ لأحد قط إلا هابني. فلما دنا منهما نادى: أنا أبو ثور أنا عمرو بن معدي كرب.
فابتدره عليّ و خالد رضي اللّه تعالى عنهما، و كلاهما يقول لصاحبه: خلّني و إياه، و يفديه بأبيه و أمّه. فقال عمرو، إذ سمع قولهما: العرب تفزّع بي و أراني لهؤلاء جزرة. فانصرف عنهما. و كان عمرو فارس العرب مشهورا بالشجاعة، و كان شاعرا محسنا فمما يستجاد من شعره قوله:
أعاذل عدتي يزني و رمحي* * * و كلّ مقلّص سلس القياد
أعاذل إنّما أفنى شبابي* * * إجابتي الصّريخ إلى المنادي
مع الإبطال حتى سلّ جسمي* * * و أقرح عاتقي ثقل النّجاد
و يبقى بعد حلم القوم حلمي* * * و يفني قبل زاد القوم زادي
تمنّى أن يلاقيني قييس* * * وددت و أينما منّي ودادي
فمن ذا عاذري من ذي سفاه* * * يرود بنفسه شرّ المراد