سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٧ - الباب السابع و الستون في وفود عدي بن حاتم إليه (صلّى اللّه عليه و سلم)
«يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مسلما لترحّمنا عليه خلّوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق و اللّه يحب مكارم الأخلاق». و في حديث ابن إسحاق: فقالت: يا رسول اللّه، هلك الوالد، و غاب الوافد فامنن عليّ من اللّه عليك. قال: «من وافدك؟» قالت:
عديّ بن حاتم. قال: «الفار من اللّه و رسوله». قالت: ثم مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و تركني، حتى إذا كان من الغد مرّ بي فقلت له مثل ذلك و قال لي مثل ما قال بالأمس. قالت: حتى إذا كان الغد مرّ بي و قد يئست منه فأشار إليّ رجل من خلفه أن قومي فكلّميه. قالت: فقمت إليه فقلت: يا رسول اللّه هلك الوالد و غاب الوافد فامنن عليّ منّ اللّه عليك. فقال (صلّى اللّه عليه و سلم): «قد فعلت فلا تعجلني بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلّغك إلى بلادك ثم آذنيني». فسألت عن الرجل الذي أشار إليّ أن أكلّمه فقيل عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه.
و أقمت حتى قدم ركب من بلي أو قضاعة. قلت: و إنما أريد أن آتي أخي بالشام. قالت:
فجئت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقلت: يا رسول اللّه قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة و بلاغ. قالت:
فكساني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و حملني و أعطاني نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام.
قال عديّ: فو اللّه إني لقاعد في أهلي إذ نظرت إلى ظعينة تصوّب إليّ تؤمّنا. قال:
فقلت: ابنة حاتم قال: فإذا هي هي. قال: فلمّا وقفت عليّ انسلحت تقول: القاطع الظالم، احتملت بأهلك و ولدك و تركت بقيّة والدك عورتك. قال: قلت: أي أخيّة لا تقولي إلا خيرا فو اللّه ما لي من عذر، لقد صنعت ما ذكرت. قال: ثم نزلت فأقامت عندي. فقلت لها، و كانت امرأة حازمة: ما ذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى و اللّه أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيّا فللسابق إليه فضله، فقد أتاه فلان فأصاب منه و أتاه فلان فأصاب منه، و إن يكن ملكا فلن تذلّ في عزّ اليمن و أنت أنت. قال: قلت: و اللّه إن هذا للرّأي.
و في حديث الشّعبي: قال: فلما بلغني ما يدعو إليه من الأخلاق الحسنة و ما قد اجتمع إليه من الناس خرجت حتى أقدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة فدخلت عليه و هو في مسجده و عنده امرأة و صبيان أو صبيّ. و ذكر قربهم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). قال: فعرفت أنه ليس بملك كسرى و لا قيصر، فسلّمت عليه فقال: «من الرجل؟» فقلت: عديّ بن حاتم. فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فانطلق بي إلى بيته، فو اللّه إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلا فكلّمته في حاجتها فقلت في نفسي: و اللّه ما هذا بملك.
قال: ثم مضى بي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى إذا دخل بيته تناول و سادة من أدم محشوّة ليفا فقدمها إليّ فقال: «اجلس على هذه». قال: قلت: يا رسول بل أنت فاجلس عليها، قال: «بل