سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٩ - الباب الخامس و الستون في وفود عبد القيس إليه (صلّى اللّه عليه و سلم) و إخبار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بطلوعهم قبل قدومهم
الخمس من المغنم، و أنهاكم عن أربع: عن الدّباء و الحنتم و المزفّت و النّقير- و ربما قال المقيّر- فاحفظوهنّ و ادعوا إليهن من وراءكم». قالوا: يا نبيّ اللّه ما علمك بالنّقير؟ قال: «بلى جذع تنقرونه فتقذفون فيه من القطيعاء»- أو قال: «من التمر- ثم تصبّون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى أن أحدكم ليضرب ابن عمّه بالسيف». قال: و في القوم رجل أصابته جراحة كذلك. قال: و كنت أخبأها حياء من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). قالوا: ففيم نشرب يا رسول اللّه؟
قال: «في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها». فقالوا: يا رسول اللّه إن أرضنا كثيرة الجرذان و لا تبقى بها أسقية الأدم [فقال نبي اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)]: «و إن أكلتها الجرذان»، مرتين أو ثلاثا.
ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لأشجّ عبد القيس: «إنّ فيك لخصلتين يحبّهما اللّه و رسوله الحلم و الأناة».
و روى الإمام أحمد [١] عن شهاب بن عبّاد أنه سمع بعض وفد عبد القيس يقول: قال الأشج: يا رسول اللّه إن أرضنا ثقيلة وخمة و إنا إذا لم نشرب هذه الأشربة هيجت ألواننا و عظمت بطوننا فرخّص لنا في هذه و أومأ بكفّيه. فقال: «يا أشجّ إني إن رخّصت لك في مثل هذه»- و قال بفكيه هكذا- «شربته في مثل هذه»- و فرّج يديه و بسطهما يعني أعظم منها- «حتى إذا ثمل أحدكم من شرابه قام إلى ابن عمّه فهزر ساقه بالسيف».
و كان في القوم رجل يقال له الحارث قد هزرت ساقه في شراب لهم في بيت من الشعر تمثّل به في امرأة منهم، فقال الحارث: لما سمعتها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) جعلت أسدل ثوبي فأغطّي الضربة بساقي و قد أبداها الله تعالى لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و روى الحاكم عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أن وفد عبد القيس من أهل هجر قدموا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فبينما هم عنده إذا أقبل عليهم فقال: «لكم تمرة تدعونها كذا، و تمرة تدعونها كذا». حتى عدّ ألوان تمرهم أجمع. فقال له رجل من القوم: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه، لو كنت ولدت في هجر ما كنت بأعلم منك الساعة، أشهد أنك رسول اللّه فقال:
«إنّ أرضكم رفعت لي منذ قعدتم إليّ فنظرت من أدناها إلى أقصاها، فخير تمركم البرني الذي يذهب بالداء و لا داء معه» [٢].
و روى البخاري [٣] (رحمه اللّه تعالى) عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: «إن أوّل
[١] أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٠٧ و ذكره المتقي الهندي في الكنز (١٣٢٥٢).
[٢] أخرجه الحاكم ٤/ ٢٠٤ و ذكره المتقي في الكنز (٣٥٣١٥).
[٣] أخرجه البخاري في كتاب الجمعة (٨٩٢).