سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨٤ - تنبيه في بيان غريب ما سبق
الباب الثامن عشر في وفود بهراء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
روى محمد بن عمر عن كريمة بنت المقداد رضي اللّه تعالى عنها قالت: سمعت أمي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب تقول: قدم وفد بهراء من اليمن على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و كانوا ثلاثة عشر رجلا. فأقبلوا يقودون رواحلهم حتى انتهوا إلى باب المقداد بن عمرو، و نحن في منازلنا ببني حديلة. فخرج إليهم المقداد فرحّب و أنزلهم و قدم لهم جفنة من حبس. قالت ضباعة: كنّا قد هيّأناها قبل أن يحلّوا لنجلس عليها، فحملها المقداد و كان كريما على الطعام.
فأكلوا منها حتى نهلوا وردّت إلينا القصة و فيها شيء فجمع في قصعة صغيرة ثم بعثنا بها مع سدرة مولاتي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فوجدته في بيت أم سلمة.
فقال (صلّى اللّه عليه و سلم): «ضباعة أرسلت بهذا؟» قالت سدرة: نعم يا رسول اللّه، قال: «ضعي» ثم قال: «ما فعل ضيف أبي معبد؟» قلت:
عندنا. فأصاب منها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) هو و من معه في البيت حتى نهلوا و أكلت معهم سدرة.
ثم قال: «اذهبي بما بقي إلى ضيفكم».
قالت سدرة: فرجعت بالقصعة إلى مولاتي. قالت:
فأكل منها الضيف ما أقاموا. فردّدها عليهم و ما تغيض حتى جعل الضيف يقولون يا أبا معبد إنك لتنهلنا من أحبّ الطعام إلينا و ما كنا نقدر على مثل هذا إلا في الحين. و قد ذكر لنا أن بلادكم قليلة الطعام إنما هو العلق أو نحوه و نحن عندكم في الشّبع. فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه أكل منها و ردّها و هذه بركة أصابعه (صلّى اللّه عليه و سلم). فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول اللّه و ازدادوا يقينا، و ذلك الذي أراد (صلّى اللّه عليه و سلم) فأتوه فأسلموا و تعلموا الفرائض و أقاموا أياما.
ثم جاءوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يودّعونه فأمر لهم بجوائز و انصرفوا إلى أهليهم.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
بهراء: بفتح الموحدة و سكون الهاء و بالراء و المدّ.
بنو حديلة: بضم الحاء و فتح الدال المهملتين فتحتية ساكنة فلام.
رحّب بهم: قال لهم: مرحبا.
الجفنة: بفتح الجيم.
الحيس: بفتح الحاء و سكون التحتية و بالسين المهملتين: الأقط بالتمر و السّمن.
العلق: بعين مهملة مضمومة فلام ساكنة فقاف: جمع علقة و هي البلغة من الطعام.