سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥٥ - الباب الأول في بعض فوائد سورة النّصر
بوجه منهم ما دام الحال على المتاركة كأنه قيل فهل يحصل نصر عليهم و ظفر بهم [بالمعاركة] فأجاب بهذه الصورة بشارة للمؤمنين و نذارة للكافرين.
و لكنه لما لم يكن ذلك بالفعل إلا عام حجّة الوداع يعني بعد فتح مكة بسنتين كان كأنه لم يستقرّ الفتح إلا حينئذ، فلم ينزل سبحانه هذه السورة إلا في ذلك الوقت و قبل منصرفه من غزوة حنين قبل ذلك. فقال تعالى: جاءَ] و لما كانت المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعيّنة لها، يسوقها إليها سائق القدرة فتقرب منها شيئا فشيئا كانت كأنها آتية إليها فلذلك حصل التّجوّز بالمجيء عن الحصول فقال]: جاءَ أي استقرّ و ثبت في المستقبل لمجيء وقته المضروب له في الأزل، [و زاد في تعظيمه بالإضافة ثم بكونها إلى اسم الذات فقال]: نَصْرُ اللَّهِ أي الملك الأعظم الذي لا مثل له و لا أمر لأحد معه على جميع الناس في كل أمر تريده، و لما كان النصر درجات و كان قد أشار سبحانه بمطلق الإضافة إليه ثم بكونها إلى الإسم الأعظم إلى أن المراد أعلاها صرّح به فقال: وَ الْفَتْحُ أي الذي نزلت سورته بالحديبية مبشّرة بغلبة حزبه الذي أنت قائدهم و هاديهم و مرشدهم [لا سيما] على مكة التي بها بيته و منها ظهر دينه، و بها كان أصله و فيها مستقرّ عموده و عزّ جنوده، فذلّ بذلك جميع العرب، [و قالوا: لا طاقة لنا بمن أظفره اللّه بأهل الحرم] ففرّوا بهذا الذّلّ حتى كان ببعضهم هذا الفتح، و يكون بهم كلهم فتح جميع البلاد، و للإشارة إلى الغلبة على جميع الأمم ساقه تعالى في أسلوب الشرط و لتحققها عبّر عنه ب إِذا.
وَ رَأَيْتَ النَّاسَ أي العرب كانوا حقيرين عند جميع الأمم فصاروا بك هم الناس و صار سائر أهل الأرض لهم أتباعا. يَدْخُلُونَ شيئا فشيئا محددا دخولهم مستمرا فِي دِينِ اللَّهِ أي شرع من لم تزل كلمته هي العليا في حال الخلق بقهره لهم على الكفر [الذي لا يرضاه لنفسه عاقل ترك الحظوظ] و في حال طواعيتهم بقسره لهم على الطّاعة و عبّر عنه بالدّين الذي معناه الجزاء لأن العرب كانوا لا يعتقدون القيامة التي لا يتمّ الجزاء إلا بها.
أَفْواجاً أي قبائل و زمرا، زمرا و جماعات كثيفة كالقبيلة بأسرها، أمّة بعد أمة، في خفّة و سرعة و مفاجأة ولين، واحدا واحدا أو نحو ذلك، لأنهم قالوا: أما أذا ظفر بأهل الحرم، و قد كان اللّه تعالى أجارهم من أصحاب الفيل [الذين لم يقدر أحد على ردّهم] فليس لنا به يدان [فتبيّن من هذا القياس المنتج هذه النتيجة البديهية بقصّة أصحاب الفيل ما رتّبه اللّه إلا إرهاصا لنبوّته و تأسيسا لدعوته فألقوا بأيديهم و أسلموا قيادهم حاضرهم و باديهم]. و لما كان التقدير:
فقد سبّح اللّه تعالى نفسه بالحمد بإبعاد نجس الشّرك عن جزيرة العرب بالفعل قال: فَسَبِّحْ أي نزّه أنت بقولك و فعلك [بالصلاة و غيرها] موافقة لمولاك لما فعل تسبيحا ملبّسا بِحَمْدِ