سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٩ - الباب الثمانون في سرية أسامة بن زيد بن حارثة رضي اللّه عنهم إلى أبني و هي بأرض الشرّاة بناحية البلقاء
عصّب رأسه بعصابة و عليه قطيفة ثم صعد المنبر فحمد اللّه، و أثنى عليه ثم
قال: «أما بعد أيها الناس فما مقالة «قد بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة و لئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله و أيم اللّه كان للإمارة لخليقا و إن ابنه من بعده لخليق للإمارة و إن كان لمن أحبّ الناس إليّ و إنهما لمخيلان لكل خير فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم» [١].
ثم نزل فدخل بيته، و جاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودّعون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فيهم عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه و يمضون إلى العسكر بالجرف،
و دخلت أم أيمن رضي اللّه تعالى عنها فقالت: «يا رسول اللّه لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل فإن أسامة إن خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه». فقال: «أنفذوا بعث أسامة».
فمضى الناس إلى المعسكر فباتوا ليلة الأحد.
و نزل أسامة يوم الأحد و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ثقيل مغمور، و هو اليوم الذي لدّوه فيه، فدخل عليه و عيناه تهملان، و عنده الناس و النساء حوله فطأطأ عليه أسامة فقبّله و النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة كأنه يدعو له. و رجع أسامة إلى معسكره.
ثم دخل يوم الإثنين و أصبح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مفيقا و جاءه أسامة
فقال له: «اغد على بركة اللّه».
فودّعه أسامة و خرج إلى معسكره لما رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مفيقا. و دخل أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه فقال: «يا رسول اللّه أصبحت مفيقا بحمد اللّه و اليوم يوم ابنة خارجة فأذن لي». فأذن له فذهب إلى السّنح. و ركب أسامة إلى العسكر و صاح في أصحابه باللحوق بالعسكر، فانتهى إلى معسكره و أمر الناس بالرحيل و قد متع النهار.
فبينا هو يريد أن يركب أتاه رسول أمه أم أيمن يخبره أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يموت فأقبل إلى المدينة و أقبل معه عمر بن الخطاب و أبو عبيدة بن الجراح فانتهوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو يجود بنفسه فتوفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ذلك اليوم. و دخل المسلمون الذي عسكروا بالجرف إلى المدينة و دخل بريدة بن الحصيب باللواء معقودا فغرزه عند باب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
فلما بويع لأبي بكر أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي لوجهه و ألا يحله حتى يغزوهم و قال لأسامة: «أنفذ في وجهك الذي وجّهك فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)». و أمر الناس بالخروج، فعسكروا في موضعهم الأول و خرج بريدة باللواء. فلما ارتدت العرب كلّم أبو بكر في حبس أسامة فأبي.
[١] أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ١/ ١٣٦ و ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٣٠٢٦٦).