سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٦ - الباب السابع و الستون في بعثه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبا سفيان بن حرب و المغيرة بن شعبة رضي اللَّه تعالى عنهما لهدم الطاغية
الباب السابع و الستون في بعثه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبا سفيان بن حرب و المغيرة بن شعبة رضي اللَّه تعالى عنهما لهدم الطاغية.
روى البيهقي عن عروة، و محمد بن عمر عن شيوخه، و ابن إسحاق عن رجاله، قالوا: إن عبد ياليل بن عمرو، و عمرو بن أمية أحد بني علاج الثقفيان لما قدما على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مع وفد ثقيف و أسلموا قالوا: أ رأيت الرّبّة ما ذا نصنع فيها؟ قال: اهدموها. قالوا: هيهات لو تعلم الرّبّة أنّا أو ضعنا في هدمها قتلت أهلنا. قال عمر بن الخطاب: ويحك يا عبد يا ليل ما أجمعك إنما الرّبّة حجر لا تدري من عبده ممن لم يعبده. قال عبد يا ليل: إنا لم نأتك يا عمر. و قالوا:
يا رسول اللَّه اتركها ثلاث سنين لا تهدمها. فأبى. فقالوا: سنتين فأبى فقالوا سنة. فأبى. فقالوا شهرا واحدا. فأبى أن يوقّت لهم وقتا، و إنما يريدون ترك الرّبّة خوفا من سفهائهم و النساء و الصبيان، و كرهوا أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. و سألوا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يعفيهم من هدمها. و قالوا: يا رسول اللَّه اترك أنت هدمها فإنا لا نهدمها أبدا. فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أنا أبعث أبا سفيان بن حرب، و المغيرة بن شعبة يهدمانها».
فذكروا الحديث [١]. فقال الوفد و أخبروا قومهم خبرهم و خبر الرّبّة.
فقال شيخ من ثقيف قد بقي في قلبه شرك بعد: فذاك و اللَّه مصداق ما بيننا و بينه، فإن قدر على هدمها فهو محقّ و نحن مبطلون، و إن امتنعت ففي النفس من هذا بعد شيء. فقال عثمان بن أبي العاص رضي اللَّه عنه: «منّتك و اللَّه نفسك الباطل و غرّتك الغرور الرّبّة، و اللَّه ما تدري من عبدها و من لم يعبدها». و خرج أبو سفيان بن حرب، و المغيرة بن شعبة و أصحابهما لهدم الرّبّة. فلما دنوا من الطائف قال المغيرة لأبي سفيان: تقدّم أنت على قومك. و أقام أبو سفيان بماله بذي الهرم، و دخل المغيرة في بضعة عشر رجلا يهدمون الرّبّة. فلما نزلوها عشاء باتوا ثم غدوا على الرّبّة يهدمونها.
فقال المغيرة لأصحابه الذين قدموا معه: «لأضحكنّكم اليوم من ثقيف». فاستكفّت ثقيف كلها: الرجال و النساء و الصبيان حتى خرج العواتق من الحجال حزنا يبكين على الطاغية، لا يرى عامة ثقيف أنها معدومة و يظنّون أنها ممتنعة. فقام المغيرة بن شعبة و استوى على رأس الدّابّة و معه المعول، و قام معه بنو معتّب دريئة بالسلاح مخالفة أن يصاب كما فعل عمّه عروة بن مسعود. و جاء أبو سفيان و صمّم على ذلك فأخذ الكرزين و ضرب المغيرة
[١] أخرجه البيهقي في الدلائل ٥/ ٣٠٢ و انظر البداية و النهاية ٥/ ٣٣.