سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠١ - الباب الخامس و الخمسون في بعثه (صلّى اللّه عليه و سلم) خالد بن الوليد رضي اللَّه تعالى عنه إلى بني جذيمة من كنانة و كانوا أسفل مكة على ليلة بناحية يلملم في شوال سنة ثمان و هو يوم الغميصاء و ذلك في غزوة الفتح
يا رسول اللَّه هذه سرية من سراياك تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب و يكون في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهّله.
قال ابن إسحاق: و لما أبي جحدم ما صنع خالد قال: يا بني جذيمة ضاع الضّرب قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه.
قال و حدثني أهل العلم أنه انفلت رجل من القوم فأتى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبره الخبر فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «هل أنكر عليه أحد؟» قال: نعم قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه خالد فسكت عنه، و أنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب فراعه فاشتدت مراجعتهما. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه: أما الأول فابني عبد اللَّه و أما الآخر فسالم مولى أبي حذيفة.
قال عبد اللَّه بن عمر في حديثه السابق: «فلما قدمنا علي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ذكرنا ذلك له فرفع يديه و قال: «اللّهم إنّي أبرأ إليك ممّا يصنع خالد». مرتين رواه الإمام أحمد و البخاري و النسائي.
قال أبو جعفر محمد بن علي رضي اللَّه عنهم: فدعا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عليّ ابن ابي طالب (رضوان اللَّه عليه) فقال: «يا عليّ اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم و اجعل أمر الجاهلية تحت قدميك». فخرج عليّ حتى جاءهم و معه مال قد بعث به رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فودى لهم الدماء و ما أصيب لهم من الأموال حتى إنه لودى لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم و لا مال إلا وداه بقيت معه بقيّة من المال، فقال لهم عليّ حين فرغ منهم: «هل بقي لكم مال لم يؤدّ إليكم؟» قالوا: لا. قال: فإني أعطيكم من هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مما لا يعلم و مما لا تعلمون». ففعل ثم رجع إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبره الخبر فقال: «أصبت و أحسنت». ثم قام رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فاستقبل القبلة شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» [١]. ثلاث مرات.
و روى ابن إسحاق عن ابن أبي حدرد الأسلمي، و ابن سعد عن عبد اللَّه بن عصام [المزني] عن أبيه، و النسائي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهم قال ابن أبي حدرد: كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد. و قال عصام: لحقنا رجلا فقلنا له: كافر أو مسلم؟ فقال: إن كنت كافرا فمه؟ قلنا له: إن كنت كافرا قتلناك. قال: دعوني أقضي إلى النسوان حاجة. و قال ابن عباس:
فقال إني لست منهم إني عشقت امرأة فلحقتها فدعوني انظر إليها نظرة ثم اصنعوا بي ما بدا لكم. و قال ابن أبي حدرد: فقال فتى من بني جذيمة- و هو في سنّي و قد جمعت يداه إلى عنقه برمّة و نسوة مجتمعات غير بعيد منه- يا فتى. فقلت ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرّمّة فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضي إليهن حاجة، ثم تردّني بعد فتصنعوا بي ما بدا لكم؟
[١] أخرجه البخاري ٤/ ١٢٢ و النسائي ٨/ ٢٣٧ و أحمد في المسند ٢/ ١٥١ و البيهقي في السنن ٩/ ١١٥.