سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٦ - الباب التاسع و الأربعون في سرية أبي قتادة الأنصاري رضي اللَّه تعالى عنه إلى خضرة و وقعة ابن أبي حدرد في شعبان سنة ثمان
فأحطنا بالحاضر، فسمعت رجلا يصرخ: يا خضرة، فتفاءلت و قلت: لأصيبن خيرا و لأجمعنّ إليّ امرأتي، و قد أتيناهم ليلا.
قال فجردّ أبو قتادة سيفه و كبّر، و جردنا سيوفنا و كبّرنا معه فشددنا على الحاضر و قاتلنا رجالا، و إذا أنا برجل طويل قد جرد سيفه و هو يمشي القهقرى، مرة يقبل عليّ بوجهه، و مرّة يدبر عنّي بوجهه، كأنه يريد أن يستطردني فأتبعه، ثم يقول: يا مسلم هلم إلى الجنة فأتبعه، ثم قال:
إن صاحبكم لذو مكيدة أمره هذا الأمر، و هو يقول الجنة الجنة، يتهكم بنا، فعرفت أنه مستقتل فخرجت في أثره و ناديت أين صاحبي؟ لا تبعد فقد نهانا أميرنا عن أن نمعن في الطلب فأدركته و ملت عليه فقتلته، و أخذت سيفه، و قد جعل زميلي يناديني أين تذهب؟ إني و اللَّه إن ذهبت إلى أبي قتادة فسألني عنك أخبرته. قال: فلقيته قبل أبي قتادة. فقلت: أسأل الأمير عني؟ قال:
نعم و قد تغيّظ عليّ و عليك. و أخبرني أنهم قد جمعوا الغنائم و قتلوا من أشرافهم. فجئت أبا قتادة فلا مني فقلت: قتلت رجلا كان من أمره كذا و كذا و أخبرته بقوله كله. ثم سقنا النعم و حملنا النساء و جفون السيوف معلّقة بالأقتاب، فأصبحت و بعيري مقطور بامرأة كأنها ظبي.
فجعلت تكثر الالتفات خلفها و تبكي، فقلت: إلى أي شيء تنظرين؟ قالت: انظر و اللَّه إلى رجل لئن كان حيا لاستنقذنا منكم. فوقع في نفسي أنه هو الذي قتلت. فقلت: قد و اللَّه قتلته، و هذا و اللَّه سيفه معلّق بالقتب. قالت: فألق إليّ غمده. فقلت: هذا غمد سيفه. قالت: فشمه إن كنت صادقا. قال: فشمته فطبّق. قال: فبكت و يئست.
و في حديث ابن إسحاق: قال عبد اللَّه بن أبي حدرد: فخرجنا و معنا سلاحنا من النّبل و السيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر [عشيشية] مع غروب الشمس كمنت في ناحية و أمرت صاحبيّ فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، و قلت لهما: إذا [سمعتماني قد] كبّرت و شددت في ناحية العسكر فكبّرا و شدّا معي.
قال: فو اللَّه إنا لكذلك ننتظر غرّة القوم أو أن نصيب منهم شيئا غشينا الليل فذهبت فحمة العشاء، و كان راعيهم قد أبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه. فقام صاحبهم رفاعة بن قبس فأخذ سيفه فجعله في عنقه ثم قال: و اللَّه لأتبعنّ أثر راعينا هذا فلقد أصابه شرّ. فقال بعض من معه. نحن نكفيك فلا تذهب. فقال: و اللَّه لا يذهب إلا أنا. فقالوا: و نحن معك. قال: و اللَّه لا ينبعني أحد منكم. و خرج حتى مرّ بي، فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده فو اللَّه ما تكلم و وثبت إليه فاحتززت رأسه و شددت في ناحية العسكر و كبّرت و شدّ صاحباي و كبّرا.
فو اللَّه ما كان إلا النجاء ممن فيه عندك عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم و أبنائهم و ما خفّ معهم من أموالهم و استقنا إبلا عظيمة و غنما كثيرة.