سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٨ - تنبيهات
ابن سعد عن نافع عن ابن عمر قال: «التمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى في جسده بضع و تسعون من طعنة و رمية». فظهر ذلك التخالف، قال الحافظ: و يجمع بأن العدد قد لا يكون له مفهوم أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام فإن ذلك لم يذكر في الرواية الأولى أو الخمسين مقيّدة بكونها ليس فيها شيء في دبره أي ظهره، فقد يكون الباقي في بقية جسده، و لا يستلزم ذلك أنه ولّي دبره، و إنما هو محمول على أن الرّمي جاءه من جهة قفاه أو جانبيه، و لكن يريد الأول أن في رواية العمري عن نافع: فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده بعد أن ذكر العدد بضعا و تسعين. و وقع في رواية البيهقي في الدلائل بضع و سبعون- بتقديم السين على الموحدة- و أشار أن بضعا و تسعين بتقديم الفوقية على السين أثبت.
السادس: قوله: «فأثابه اللَّه تعالى جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء». أي عوّضه اللَّه تعالى جناحين عن قطع يديه في تلك الوقعة حيث أخذ اللواء بيمينه فقطعت، ثم أخذه بشماله فقطعت ثم احتضنه فقتل. و روى البيهقي أحد رواة الصحيح عن البخاري أنه قال: يقال لكل ذي ناحتين جناحان، أشار بذلك إلى أن الجناحين ليس على ظاهرهما. و قال السهيلي:
« [و مما ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين أنهما] ليسا كما يسبق إلى الوهم على مثل جناحي الطائر و ريشه، لأن الصورة الآدمية أشرف الصور و أكملها ... فالمراد بالجناحين صفة ملكيّة و قوة روحانية أعطيها جعفر [كما أعطيتها الملائكة] و قد عبر القرآن عن العضد بالجناح توسعا في قوله تعالى: وَ اضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى [طه ٢٢] و قال العلماء في أجنحة الملائكة إنها ليست كما يتوهم من أجنحة الطير و لكنها صفات ملكّية لا تفهم إلا بالمعانية. فقد ثبت أن لجبريل ستمائة جناح و لا يعد للطائر ثلاثة أجنحة فضلا عن أكثر من ذلك، و إذا لم يثبت خبر في بيان كيفيتها فيؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها». انتهى.
قال الحافظ: «و هذا الذي جزم به في مقام المنع و الذي نقله عن العلماء ليس صريحا في الدلالة على ما ادّعاه و لا مانع من الحمل على الظاهر إلا من جهة ما ذكره من المعهود و هو من قياس الغائب على الشاهد و هو ضعيف و كون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره لأن الصورة باقية»، و قد روى البيهقي في الدلائل من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري أن جناحي جعفر من ياقوت و جاء في جناحي جبرئيل أنهما من لؤلؤ، أخرجه ابن مندة في ترجمة ورقة بن نوفل من كتاب المعرفة.
السابع: أكثر الآثار تدل على أن المسلمين هزموا المشركين، و في بعضها أن خالدا انحاز بالمسلمين، و قد تقدم بيان ذلك. قال الحافظ: و يمكن الجمع بأن يكون المسلمون