سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٠ - ذكر تأمير المسلمين خالد بن الوليد بعد قتل أمراء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هزمه المشركين، و إعلام اللّه تعالى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالفتح
يريد صاحبيه زيدا و جعفرا، ثم نزل. فلما نزل أتاه ابن عمر له بعرق من لحم فقال: «شد بهذا صلبك فإنك لقيت في أيامك هذه ما لقيت». فأخذه من يده، ثم انتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: و أنت في الدنيا؟ ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي اللّه تعالى عنه. و وقع اللّواء من يده فاختلط المسلمون و المشركون و انهزم بعض الناس، فجعل قطبة بن عامر يصيح: يا قوم يقتل الرجل مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرا. قال سعيد بن أبي هلال (رحمه اللّه تعالى): و بلغني أن زيدا و جعفرا و عبد الله بن رواحة دفنوا في حفرة واحدة. و في حديث أبي عامر رضي اللّه تعالى عنه عند ابن سعد أن عبد الله بن رواحة رضي اللّه تعالى عنه لما قتل «انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى لم أر اثنين جميعا. ثم أخذ اللواء رجل من الأنصار ثم سعى به حتى إذا كان أمام الناس ركزه ثم قال: إليّ أيها الناس. فاجتمع إليه الناس حتى إذا كثروا مشى باللواء إلى خالد بن الوليد. فقال له خالد:
لا آخذه منك أنت أحقّ به فقال الأنصاري و اللّه ما أخذته إلا لك».
ذكر تأمير المسلمين خالد بن الوليد بعد قتل أمراء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هزمه المشركين، و إعلام اللّه تعالى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالفتح
قال ابن إسحاق: ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. فقالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد.
و روى الطبراني عن أبي اليسر الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه قال: أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لما أصيب عبد الله بن رواحة فدفعت إلى خالد و قال [له ثابت بن أقرم] أنت أعلم بالقتال مني. قال ابن إسحاق: «فلما أخذ الراية خالد بن الوليد دافع القوم و حاشى بهم ثم انحاز و انحيز عنه و انصرف بالناس».
هكذا ذكر ابن إسحاق أنه لم يكن إلا المحاشاة و التخلص من أيدي الروم الذين كانوا مع من انضمّ إليهم أكثر من مائتي ألف و المسلمون ثلاثة آلاف. و وافق ابن إسحاق على ذلك شرذمة. و على هذا سمّي هذا نصرا و فتحا باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدوّ و تراكمهم و تكاثرهم عليهم و كان مقتضي العادة أن يقتلوا بالكلّيّة و هو محتمل لكنه خلاف الظاهر من
قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «حتى فتح اللّه عليكم» [١].
و الأكثرون على أن خالدا و من معه رضي اللّه تعالى عنهم قاتلوا المشركين حتى هزموهم. ففي حديث أبي عامر عند ابن سعد أن خالدا لما أخذ
[١] أخرجه البخاري ٧/ ٥٨٥ (٤٢٦٢).