سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤٩ - ذكر مقتل عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه تعالى عنه
و روى ابن إسحاق عن عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير قال: حدثني أبي الذي أرضعني و كان أحد بني مرّة بن عوف، و كان في غزوة مؤتة قال: و اللّه لكأني انظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل و هو يقول:
يا حبّذا الجنّة و اقترابها* * * طيّبة و باردا شرابها
و الرّوم روم قد دنا عذابها* * * كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إذ لاقيتها ضرابها
و هذا الحديث رواه أبو داود من طريق ابن إسحاق و لم يذكر الشعر و في حديث أبي عامر رضي اللّه تعالى عنه عند ابن سعد أن جعفرا رضي اللّه تعالى عنه لبس السلاح ثم حمل على القوم حتى إذا همّ أن يخالطهم رجع فوحّش بالسلاح ثم حمل على العدو و طاعن حتى قتل. قال ابن هشام: و حدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضي اللّه تعالى عنه و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنة، فأثابه اللّه بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. و يقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين. و روى البخاري و البيهقي عن عبد الله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال: «كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى و وجدنا في جسده بضعا و ستين من طعنة و رمية، و في رواية عنه قال: «وقفت على جعفر بن أبي طالب يومئذ و هو قتيل فعددت به خمسين من طعنة و ضربة ليس منها شيء في دبره».
ذكر مقتل عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه تعالى عنه
روى ابن إسحاق [يحيى بن] عبّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه الذي أرضعه قال: فلما قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة، ثم تقدم بها و هو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه و يتردد بعض التردد ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنّه* * * طائعة أو لتكرهنّه
أن أجلب النّاس و شدّوا الرّنّه* * * مالي أراك تكرهين الجنّة
قد طال ما قد كنت مطمئنّة* * * هل أنت إلّا نطفة في شنّه
و قال أيضا رضي اللّه تعالى عنه:
يا نفس إلّا تقتلي تموتي* * * هذا حمام الموت قد صليت
و ما تمنّيت فقد أعطيت* * * إن تفعلي فعلهما هديت