سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤٧ - ذكر مسير المسلمين بعد وداع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
أسأت عشرا أن تحسن واحدة» [١]. قال ابن رواحة: لا أسألك عن شيء بعدها.
ذكر رجوع عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنه ليصلي الجمعة
روى الإمام أحمد و الترمذي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول للّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعث إلى مؤتة فاستعمل زيدا و ذكر الحديث و فيه:
فتخلّف ابن رواحة فجمع مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلما صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رآه، فقال: «ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟» قال: أردت أن أصلّي معك الجمعة ثم ألحقهم. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم». و في لفظ: «لغدوة أو روحة في سبيل اللّه خير من الدنيا و ما فيها» [٢].
ذكر مسير المسلمين بعد وداع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
قال ابن إسحاق، و محمد بن عمر: ثم مضى الناس. قال محمد بن عمر: قالوا: كان زيد بن أرقم يقول- و قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدّث عن زيد بن أرقم قال:
«كنت يتيما في حجر عبد الله بن رواحة فلم أر وليّ يتيم كان خيرا منه فخرجنا إلى مؤتة فكان يردفني خلفه على حقيبة رحله فو اللّه إنه ليسير ليلة إذ سمعته و هو ينشد أبياته هذه:
إذا أدّيتني و حملت رحلي* * * مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك أنعم و خلاك ذمّ* * * و لا أرجع إلى أهلي ورائي
و آب المسلمون و غادروني* * * بأرض الشّام مشتهي الثّواء
و ردّك كلّ ذي نسب قريب* * * إلى الرّحمان منقطع الإخاء
هنا لك لا أبالي طلع بعل* * * و لا نخل أسافلها رواء
قال: فلما سمعتهنّ منه بكيت فخفقني بالدّرّة و قال: «ما عليك بالكع أن يرزقني اللّه الشهادة فأستريح من الدنيا و نصبها و همومها و أحزانها و ترجع بين شعبتي الرّحل». زاد ابن إسحاق: قال ثم قال عبد الله بن رواحة رضي اللّه تعالى عنه في بعض شعره و هو يرتجز:
يا زيد زيد اليعملات الذّبّل* * * تطاول اللّيل هديت فانزل
زاد محمد بن عمر: ثم نزل من الليل، ثم صلى ركعتين و دعا فيهما دعاء طويلا ثم قال:
يا غلام. قلت: لبّيك. قال: هي إن شاء اللّه الشهادة. قالوا: و لما فصل المسلمون من المدينة سمع العدوّ بمسيرهم فتجمّعوا لهم و قام فيهم شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف،
[١] ذكره السيوطي في الدر ٣/ ١٨٩ و عزاه لابن عساكر.
[٢] أخرجه الترمذي (٥٢٧) و أحمد في المسند ١/ ٢٢٤ و ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ٧/ ٣٩٣.