سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٨ - الباب الثالث عشر في أقوال العلماء في عمل المولد الشريف و اجتماع الناس له و ما يحمد من ذلك و ما يذم
فتلك فعال المصطفى و خلاله* * * و حسبك أفعال له و خلال
لقد كان فعل الخير قرّة عينه* * * فليس له فيما سواه مجال
و القائل أيضا:
يا مولد المختار أنت ربيعنا* * * بك راحة الأرواح و الأجساد
يا مولدا فاق الموالد كلّها* * * شرفا و ساد بسيّد الأسياد
لا زال نورك في البريّة ساطعا* * * يعتاد في ذا الشّهر كالأعياد
في كلّ عام للقلوب مسرّة* * * بسماع ما نرويه في الميلاد
فلذاك يشتاق المحبّ و يشتهي* * * شوقا إليه حضور ذا الميعاد
و زعم الإمام العلامة تاج الدين الفاكهاني المالكي- (رحمه اللّه تعالى)- أن عمل المولد بدعة مذمومة و ألّف في ذلك كتابا قال فيه: الحمد للّه الذي هدانا لاتباع سيد المرسلين، و أيّدنا بالهداية إلى دعائم الدّين، و يسّر لنا اتباع آثار السلف الصالحين، حتى امتلأت قلوبنا بأنواع علم الشرع و قواطع الحق المبين، و طهّر سرائرنا من حدث الحوادث و الابتداع في الدين. أحمده على ما منّ به من أنوار اليقين، و أشكره على ما أسداه من التمسك بالحبل المتين، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و ان محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) عبده و رسوله سيد الأولين و الآخرين. صلى اللّه عليه و على آله و أصحابه و أزواجه أمهات المؤمنين صلاة دائمة إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول و يسمونه المولد: هل له أصل في الشرع أو هو بدعة حدثت في الدين؟
و قصدوا الجواب عن ذلك مبيّنا و الإيضاح عنه معيّنا. فقلت و باللّه التوفيق: ما أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب و لا سنة، و لا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين المتمسّكون بآثار الصالحين المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون، و شهوة نفس اعتنى بها الأكّالون، بدليل أنا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، أو مكروها أو محرّما. و ليس بواجب إجماعا، و لا مندوبا، لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذمّ على تركه، و هذا لم يأذن فيه الشرع و لا فعله الصحابة و لا التابعون المتديّنون فيما علمت. و هذا جوابي عنه بين يدي اللّه تعالى إن عنه سئلت. و لا جائز أن يكون مباحا لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو حراما و حينئذ يكون الكلام فيه في فصلين و التفرقة بين حالين: أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله و أصحابه و عياله لا يجاوزون ذلك الاجتماع على أكل الطعام و لا يقترفون شيئا من الآثام