سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٩٢ - الباب الرابع في سياق قصة الرضاع و ما وقع فيها من الآيات
لقد سعدت حليمة حيث حازت* * * رضاعته و نالت كلّ فخر
فدرّ عليه منها الثّدي حالا* * * و لم يك قبل ذا يشفي بدّرّ
و أعلم أنّه لأخيه حقّ* * * فغادر ثديها الثّاني بوفر
و شارفها جرت لبنا فأروت* * * و كانت لا تبضّ [١] لهم بقطر
و أسرعت الأتان [٢] به نهوضا* * * فأعجب كلّ من في الرّكب يسري
و كانت من وراء القوم ضعفا* * * فصارت عن أمام القوم تجري
فقالوا إنّ لابنك ذا لشأنا* * * أخذت مباركا فثقي بيسر
و كان يشبّ في شهر كعام* * * إذا اعتبروا و في يوم كشهر
و يصبح دون صبيتهم دهينا* * * كحيلا طيّبا من غير عطر
و كانوا في أشدّ الأرض جدبا* * * فعمّ القطر منها كلّ قطر
و خلف بيوتهم جبريل وافى* * * فشقّ الصّدر منه بغير ضرّ
و ألقى مغمز الشّيطان منه* * * فطهّره فنال أتمّ طهر
حشا منه الحشا علما و حلما* * * و إيمانا على ورع و صبر
و أكرمه الإله بشقّ صدر* * * و وضع الوزر عنه و رفع ذكر
فكان رضا بلا سخط و بذلا* * * بلا بخل و خيرا دون شرّ
له خلق الملائك و هو خلق* * * من البشر الخصيص بكلّ بشر
إله العرش أرسله بشيرا* * * نذيرا داعيا لهدى و يسر
فأبدلنا بهدي بعد جهل* * * و عوّضنا بيسر بعد عسر
عليه صلاة ربّ العرش تندى* * * كما تندى الرّياض بكلّ فجر
يواصل عرفها [٣] آلا و صحبا* * * كأنّ ثناهم نفحات زهر
و الشرف البوصيري حيث قال:
و بدت في رضاعه معجزات* * * ليس فيها عن العيون خفاء
إذ أبته ليتمه مرضعات* * * قلن ما في اليتيم عنّا غناء
فأتته من آل سعد فتاة* * * قد أبتها لفقرها الرّضعاء
أرضعته لبانها فسقتها* * * و بنيها ألبانهنّ الشّياء
[١] انظر الوسيط ١/ ٦٠.
[٢] الأتان: الأنثى من الحمير و الجمع (آتن، أتن) المصباح المنير ص ٣.
[٣] العرف: الريح طيبة كانت أو خبيثة يقال: ما أطيب عرفه، و في المثل: لا يعجر مسك السوء عن عرف السوء، اللسان ٤/ ٢٩٠٠.