سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٣ - المرة الرابعة عمارة سيدنا إبراهيم و إسماعيل (صلّى اللّه عليهما و سلّم)
إسماعيل عند الماء فقالوا: تأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، و لكن لا حقّ لكم في الماء.
قالوا: نعم.
قال ابن عباس:- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): فألفى ذلك أمّ إسماعيل و هي تحب الأنس، فنزلوا فأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم و شبّ الغلام و نشأ بين ولدانهم، و تعلم العربيّة منهم و ألفهم و أعجبهم حين شبّ، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم، و ماتت أم إسماعيل.
فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل زوجته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. و في لفظ: و كان عيش إسماعيل الصيد، يخرج يتصيّد، فسألها عن عيشهم، فقالت: بشرّ نحن في ضيق و شده. و شكت إليه. قال: إذا جاء زوجك فاقرئي (عليه السلام) و قولي له: يغيّر عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس بشيء فقال: هال جاءكم أحد؟
قالت: نعم جاءنا شيخ كذا و كذا، كالمستخفّة بشأنه، فسألنا عنك فأخبرته و سألني كيف عيشنا فأخبرته أنّا في جهد و شدة فقال لها: هل أوصاك بشيء؟ قالت نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام و يقول لك: غيّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي و أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك. فطلقها و تزوج منهم امرأة اخرى.
فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللّه تعالى، ثم أتاهم بعد ذلك، فلم يجده، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ و سألها عن عيشهم و هيئتهم فقالت: نحن بخير و سعة، و أثنت على اللّه تعالى. قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم و اللبن. قال: فما شرابكم؟
قالت: الماء. اللّهم بارك لهم في اللحم و اللبن و الماء. و في لفظ: في طعامهم و شرابهم:
قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «و لم يكن لهم يومئذ حبّ، و لو كان لهم حبّ لدعا لهم فيه».
قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه.
و في حديث أبي جهم: فجاء إبراهيم زائرا لإسماعيل فجاء إلى بيته فقال: السلام عليكم يا أهل البيت و رحمة اللّه. فقامت إليه المرأة فردّت عليه و رحّبت به، فقال: كيف عيشكم؟ فقالت: خير عيش بحمد اللّه عز و جل، نحن في لبن كثير، و لحم كثير، و ماؤنا طيّب.
قال: هل من حبّ؟ قالت: يكون إن شاء اللّه تعالى، و نحن في نعم. قال: بارك اللّه لكم. قالت:
فانزل رحمك اللّه فاطعم و اشرب. قال: لا أستطيع النزول. قالت فإني أراك شعثا أ فلا أغسل رأسك و أدهنه؟ قال: بلى إن شئت. فجاءت بالمقام و هو يومئذ حجر رطب أبيض مثل المهاة ملقى في بيت إسماعيل، فوضع عليه قدمه اليمنى و قدّم إليها شقّ رأسه و هو على دابته، فغسلت شق رأسه الأيمن، فلما فرغ حوّلت له المقام حتى وضع قدمه اليسرى عليه و قدم إليها