سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٩٤ - تنبيهات
الثاني:
قال السّهيلي- (رحمه اللّه تعالى)-: التماس الأجر على الرضاع لم يكن محمودا عند أكثر العرب، حتى جرى المثل: «تجوع الحرّة فلا تأكل بثديها».
و تعقّبه في الزهر بأن المثل غير مسوق لذلك. قال المفضل الضبّي- (رحمه اللّه تعالى)- في كتاب «الفاخر»: تجوع الحرّة و لا تأكل بثديها أي و لا تهتك نفسها و تبدي منها ما لا ينبغي أن تبدي. و ذكر مثله محمد بن سعد العراقي- (رحمه اللّه تعالى)- في «نزهة الأنفس» في الأمثال.
قلت: قال الميداني [١] تبعا لأبي عبيد- (رحمهما اللّه تعالى)-: أي لا تكون ظئرا و إن آذاها الجوع.
ثم قال السّهيلي: و كان عند بعضهم لا بأس به فقد كانت حليمة وسيطة في بني سعد كريمة من كرائم قومها بدليل اختيار اللّه تعالى إياها لإرضاع نبيه (صلّى اللّه عليه و سلم) كما اختار له أشرف البطون و الأصلاب، و الرّضاع كالنسب. قال: و يحتمل أن تكون حليمة و نساء قومها طلبن الرضاع اضطرارا للأزمة التي أصابتهم و السّنة الشهباء التي أقحمتهم [٢]. و اللّه تعالى أعلم.
الثالث:
قول آمنة: «فلم أر حملا كان أخفّ عليّ منه» يفهم منه أنها حملت بغيره (صلّى اللّه عليه و سلم). و قد ورد ما هو أصرح منه. قال ابن سعد أخبرنا عمرو بن عاصم أخبرنا همّام عن إسحاق بن عبد اللّه، قال: قالت أم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): قد حملت الأولاد فما حملت أخفّ منه. قال ابن سعد- (رحمه اللّه تعالى): قال محمد بن عمر يعني الواقديّ- و هذا مما لا يعرف عندنا و لا عند أهل العلم، لم تلد آمنة و لا عبد اللّه غير النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).
قال الواقدي: و حدثني محمد و عبد اللّه بن أخي الزّهري، عن الزهري- (رحمه اللّه تعالى)- قال: قالت آمنة: لقد علقت به فما وجدت له مشقة حين وضعته.
و أخرجه عن الواقدي من وجه آخر مطوّلا و فيه: ما شعرت به و لا وجدت- له ثقلة كما تجد النساء.
قال الحافظ: إن كان إسحاق بن عبد اللّه هو ابن أبي طلحة فهو مرسل رجاله رجال
[١] أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري، أبو الفضل: الأديب البحاث، صاحب «مجمع الأمثال» و من كتبه «نزهة الطرف في علم الصرف» و «السامي في الأسامي» في اللغة، و «الهادي للشادي» نحو، و «شرح المفضليات». توفي سنة ٥١٨ ه. انظر الأعلام ١/ ٢١٤، و بغية الوعاة ١٥٥.
[٢] في أ: التي اقتحمتهم.