سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥٩ - تفسير الغريب
و هذا الحديث الذي نحن في ذكره خالف ابن الجوزي فيه كثير من الأئمة و الحفاظ فذكروا أنه من قسم الضعيف الذي يجوز روايته في الفضائل و المناقب، لا من قسم الموضوع، منهم الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، و الحافظ أبو القاسم، ابن عساكر و الحافظ أبو حفص ابن شاهين، و الحافظ أبو القاسم السّهيلي، و الإمام القرطبي، و الحافظ محب الدين الطبري، و العلّامة ناصر الدين بن المنير، و الحافظ فتح الدين بن سيّد الناس، و نقله عن بعض أهل العلم.
و مشى عليه الصلاح الصّفدي في نظم له و الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في أبيات له فقال:
حبا اللّه النبيّ مزيد فضل* * * على فضل و كان به رؤوفا
فأحيا أمّه و كذا أباه* * * لإيمان به فضلا لطيفا
فسلّم فالقديم بذا قدير* * * و إن كان الحديث به ضعيفا
و أخبرني بعض الفضلاء أنه وقف على فتيا بخط شيخ الإسلام ابن حجر أنه أجاب فيها بهذا، إلا أني لم أقف على ذلك، و إنما وقفت على كلامه الذي قدمته في المسلك الثاني.
و قال السّهيلي (رحمه اللّه تعالى) في أوائل «الروض الأنف» بعد إيراد حديث أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما له فآمنا به ثم أماتهما ما نصه: «و اللّه قادر على كل شيء و ليس تعجز رحمته و قدرته عن شيء، و نبيه (صلّى اللّه عليه و سلم) أهل أن يختصه بما شاء من كرامته». و قال في موضع آخر من الكتاب في حديث
أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال لفاطمة: «لو كنت بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جدّ أبيك»
ما نصه: «في قوله: جدّ أبيك و لم يقل جدك يعني أباه تقوية للحديث الضعيف الذي قدمنا ذكره: أن اللّه تعالى أحيا أمه و أباه و آمنا به» انتهى.
مع أن الحديث الذي أورده السهيلي لم يذكره ابن الجوزي في الموضوعات، و إنما أورد ابن الجوزي حديثا آخر من طريق آخر في إحياء امه فقط و فيه قصة بلفظ غير لفظ الحديث الذي أورده السهيلي. فعلم أنه حديث آخر مستقل و قد جعل هؤلاء الأئمة هذا الحديث ناسخا للأحاديث الواردة لما يخالف ذلك، و نصّوا على أنه متأخر عنها فلا تعارض بينه و بينها.
و قال القرطبي (رحمه اللّه تعالى): فضائل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لم تزل تتوالى و تتابع إلى آخر مماته، فيكون هذا مما فضّله اللّه به و أكرمه. قال: و ليس إحياؤهما و إيمانهما به بممتنع عقلا و لا شرعا، فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل و إخباره بقاتله، و كان عيسى (عليه الصلاة و السلام) يحي الموتى و كذلك نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: و إذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة في كرامته (صلّى اللّه عليه و سلم) و فضيلته؟.