سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧٦ - ذكر ما قيل في اسوداد الحجر بعد بياضه
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ أي: قياما لدينهم و دنياهم، و جعل الحجر من ياقوت الجنة الذي لا يبالي بالنار و يحصل منه التبريد المعنوي و الحسي:
و طالما أصلي الياقوت جمرا غضا* * * ثم انطفا الجمر و الياقوت ياقوت
ثم سرّ آخر: و هو أنه نقطة الدائرة الياقوتية.
ذكر ما قيل في اسوداد الحجر بعد بياضه
قال السّهيلي- (رحمه اللّه تعالى)- بعد أن ذكر شيئا يتعلق بالحجر الأسود: و انتبه من هاهنا إلى الحكمة في أنه سوّدته خطايا بني آدم دون غيره من أحجار الكعبة و أستارها و ذلك أن العهد الذي فيه هو الفطرة التي فطر الناس عليها من توحيد اللّه تعالى، فكل مولود يولد على تلك الفطرة و على ذلك الميثاق، فلو لا أن أبويه يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه حتى يسودّ قلبه بالشّرك لما حال عن العهد، فلما صار قلب ابن آدم محلا لذلك العهد و الميثاق و صار الحجر محلّا لما كتب فيه من ذلك العهد و الميثاق فتناسبا، فاسودّ من الخطايا قلب ابن آدم بعد ما كان ولد عليه من ذلك العهد، و اسودّ الحجر الأسود بعد ابيضاضه، و كانت الخطايا سببا في ذلك حكمة من اللّه تعالى.
و روى أبو الشيخ عن جعفر بن محمد (رحمه اللّه تعالى) قال: كنت مع أبي محمد بن علي، فقال له رجل: يا أبا جعفر ما بدء خلق هذا الركن؟ فقال: إن اللّه- تعالى- لما خلق الخلق قال لبني آدم: أ لست بربّكم؟ قالوا: بلى، فأقرّوا فأجرى نهرا أحلى من العسل و ألين من الزبد، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر، فكتب إقرارهم و ما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا القلم الحجر، فهذا الاستلام الذي يرى إنما هو تبعية على إقرارهم الذي كانوا أقرّوا به.
و روى عبد الرازق في المصنف و أبو الشيخ عن فاطمة بنت حسن- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: لمّا أخذ اللّه الميثاق من بني آدم جعله اللّه- تعالى- في الركن، فمن الوفاء بعهد اللّه تعالى استلام الحجر.
و روى الجندي في فضائل مكة و أبو الحسن القطّان في المطوّلات و الحاكم و البيهقي في الشّعب عن أبي سعيد الخدري- رضي اللّه تعالى عنه- قال: حججنا مع عمر بن الخطاب- رضي اللّه تعالى عنه- فلما دخل في الطواف استقبل الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضرّ و لا تنفع و لو لا أني رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقبّلك ما قبّلتك ثم قبّله [١]، فقال له علي
[١] أخرجه البخاري ٣/ ٥٤٠ كتاب الحج (١٥٩٧، ١٦٠٥، ١٦١٠) و مسلم ٢/ ٩٢٥، ٩٢٦ كتاب الحج (٢٥١/ ١٢٧٠) و ما ذكر عن علي لم يرد في الصحيحين.