سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٦ - تفسير الغريب
و اشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم* * * و أسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن* * * شيبا بماء فعادا برديك بعد أبوالا
[١] قال: و الملك متضمّخ بالعبير يلصف وبيص المسك في مفرق رأسه، و عليه بردان أخضران مرتديا بأحدهما مؤتزرا بالآخر، سيفه بين يديه، و عن يمينه و عن شماله الملوك و المقاول. و أخبر بمكانهم فأذن لهم فدخلوا عليه، و دنا منه عبد المطلب فاستأذنه في الكلام فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنّا لك. فقال: إن اللّه عز و جل قد أحلّك أيها الملك محلّا رفيعا شامخا باذخا منيعا، و أنبتك نباتا طابت أرومته و عظمت جرثومته، و ثبت أصله و بسق فرعه، في أطيب موضع و أكرم معدن، و أنت أبيت اللّعن ملك العرب الذي إليه تنقاد و عمودها الذي عليه العماد و معقلها الذي تلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف، و أنت لنا منهم خير خلف فلن يهلك ذكر من أنت خلفه، و لن يخمل ذكر من أنت سلفه، نحن أهل حرم اللّه و سدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة.
قال له الملك: من أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أختنا؟
قال: نعم. قال: أدنه. ثم أقبل عليه و على القوم فقال: مرحبا و أهلا- فأرسلها مثلا، و كان أول من تكلم بها- و ناقة و رحلا و مستناخا سهلا و ملكا ربحلا يعطي عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم و عرف قرابتكم و قبل وسيلتكم، فإنكم أهل الليل و النهار و لكم الكرامة ما أقمتم و الحباء إذا ظعنتم.
ثم أنهضوا إلى دار الضيافة و الوفود و أجري عليهم الأنزال، فأقاموا بذلك شهرا لا يصلون إليه و لا يؤذن لهم بالانصراف.
ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأدناه ثم قال له: يا عبد المطلب إني مفض إليك من سرّ علمي أمرا لو غيرك يكون لم أبح له به، و لكن رأيتك معدنه فأطلعتك طلعه، فليكن عندك مخبّأ حتى يأذن اللّه عز و جل فيه، إني أجد في الكتاب المكتوب و العلم المخزون الذي ادّخرناه لأنفسنا و احتجيناه دون غيرنا خبرا عظيما و خطرا جسيما فيه شرف الحياة و فضيلة الوفاة للناس عامة و لرهطك كافة و لك خاصّة. فقال له عبد المطلب: مثلك أيها الملك سرّ و برّ: فما هو؟ فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر. قال: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه
[١] الأبيات من قصيدة مطلعها:
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن* * * ريم في البحر للأعداء أحوالا
و هي تروى لأبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي أيضا، ينظر السيرة النبوية و الروض الأنف ١/ ٨٤، ٨٥.