سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٨ - الباب الثامن في تجديد حفر زمزم على يد عبد المطلب بن هاشم
احفر ظبية. قال: و ما ظبية؟ فذهب عنه فلما كان من الغد عاد إلى مضجعه فنام فيه فأتي فقيل له: احفر زمزم. قال: و ما زمزم؟ قال: لا تنزف و لا تذم تسقي الحجيج الأعظم.
ثم ادع بالماء الرّوى غير الكدر* * * تسقي حجيج اللّه في كلّ مبرّ [١]
ليس يخاف منه شيء ما عمر
فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش فقال: تعلّموا أني قد أمرت بحفر زمزم. فقالوا: فهل بيّن لك أين هي؟ قال: لا. قالوا: فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت، فإن يك حقّا من اللّه يبيّن لك، و إن يك من الشيطان فلن يعود إليك. فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه و قال: اللّهم بيّن لي. فأرى في المنام: احفر تكتم. و في لفظ:
فقيل له: احفر زمزم إن حفرتها لم تذمّ، و هي تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف و لا تذمّ، تسقي الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل لم يقسم، ينفذ فيها ناذر لمغنم، تكون ميراثا و عقدا محكم، ليست كبعض ما قد تعلم. فقال: و أين هي؟ فقيل له: بين الفرث و الدم، في مبحث الغراب الأعصم، في قرية النمل.
فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمّي له من الآيات، فنحرت بقرة بالحزورة فانفلتت من جازرها بحشاشة نفسها حتى غلبها الموت في المسجد في موضع زمزم بين الوثنين إساف و نائلة فنحرت تلك البقرة في مكانها حتى احتمل لحمها، فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث، فبحث عن قرية النمل.
فقام عبد المطلب فحفر هنالك و معه ابنه الحارث و ليس له يومئذ ولد غيره، فجاءته قريش فقالت له: ما هذا الصّنيع؟ قال: أمرت بحفر زمزم، فلما كشف عنه و بصروا بالطّيّ كبّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل و إن لنا فيها حقّا فأشركنا معك فيها. قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر خصصت به دونكم. قالوا:
تحاكمنا؟ قال: نعم. قالوا: بيننا و بينك كاهنة بني سعد بن هذيم، و كانت بأشراف الشام.
فركب عبد المطلب في نفر من بني أمية و ركب من كل بطن من أفناء قريش نفر، و كانت الأرض مفاوز فيما بين الشام و الحجاز، حتى إذا كانوا بمفازة من تلك البلاد فني ما عند عبد المطلب و أصحابه من الماء حتى أيقنوا بالهلكة، ثم استسقوا القوم قالوا: ما نستطيع أن نسقيكم، و إنا نخاف مثل الذي أصابكم. فقال عبد المطلب لأصحابه: ما ذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك. قال: فإني أرى أن يحفر كلّ رجل منكم حفرته، و كلما مات رجل منكم دفعه أصحابه في حفرته حتى يكون آخركم يدفعه صاحبه، فضيعة رجل أهون من ضيعة
[١] الأبيات في البداية و النهاية ٢/ ٢٤٣، و السيرة النبوية في الروض الأنف ١/ ١٦٨.