سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٦٨ - تفسير الغريب
و الظاهر أن إيراده له في القسم الرابع إنما هو لكونه لم يدرك البعثة، فكيف يعدّ من الصحابة كسيف بن ذي يزن فإنه مات بعد المولد بنحو ثلاث سنين، فإنه و إن أقرّ ببعثة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فلا يسمّى صحابيا، لأنه لم يره بعد البعثة، بل لم يره أصلا.
و قال في ترجمة أبي طالب في الكنى، بعد أن أورد قصة الامتحان يوم القيامة: و نحن نرجو أن يدخل عبد المطلب و آل بيته في جملة من يدخلها طائعا فينجو. إلى آخره.
و تقدم لهذا مزيد بيان في ترجمة ابنه عبد اللّه.
ابن هاشم هاشم: اسم فاعل من الهشم و هو كسر الشيء اليابس و الأجوف. و اسمه عمرو العلا، و هو منقول إما من العمر بفتح العين الذي هو من العمر بضمها أي البقاء، ذكره أبو الفتح ابن جنيّ (رحمه اللّه تعالى) في المبهج و أنشد لأبي القماقم:
يا ربّ زد من عمره في عمري* * * و استوف منّي يا إلهي نذري
و يحكى أن عيسى بن عمر سأل عمرو بن عبيد فقال: لم سميت عمرا؟ فقال له: العمر البقاء أطال اللّه عمرك و عمرك. قال ابن دحية (رحمه اللّه تعالى): إن استعمل العمر في القسم فالفتح لا غير. قال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ.
أو من غيره مما هو مذكور في الروض و الزّهر و غيرهما.
و لقّب هاشما لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة و أطعمه، و ذلك أن أهل مكة أصابهم جهد و شدة فرحل إلى فلسطين فاشترى منها دقيقا كثيرا و كعكا و قدم بذلك إلى مكة فأمر به فخبز ثم نحر جزورا و جعلها ثريدا عمّ به أهل مكة، و لا زال يفعل ذلك حتى استكفوا.
و هو أول من سنّ الرحلتين، رحلة الشتاء إلى الحبشة و رحلة الصيف إلى الشام.
قال الرشاطي: كانت قريش تجارتهم لا تعدو مكة، و كانت الأعاجم تقدم عليهم بالسلع فيشترون منهم، حتى ركب هاشم إلى الشام فنزل بقيصر و كان كل يوم يذبح شاة فيصنع جفنة ثريد و يدعو من حوله فيأكلون فذكر ذلك لقيصر أن هاهنا رجلا من قريش يهشم الخبز ثم يصبّ عليه المرق و يفرغ عليه اللحم، و إنما كانت العجم تضع المرق في الصحاف ثم تأتدم عليه بالخبز، فدعا به قيصر و كلّمه فأعجبه كلامه و أعجب به و جعل يرسل إليه و يدخل عليه، فلما رأى مكانه منه قال: أيها الملك إنّ لي قوما و هم تجار العرب فإن رأيت أن تكتب لي كتابا تؤمّنهم و تؤمن تجارتهم فيقدموا عليك بما يستظرف من أدم الحجاز و ثيابه فيمكّنوا من بيعه عندكم فهو أرخص عليكم. فكتب له كتاب أمان لمن أتى منهم فأقبل هاشم بالكتاب فجعل كلمّا مرّ بحيّ من العرب على طريق الشام أخذ لهم من أشرافهم إيلافا، و الإيلاف أن يأمنوا