سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧١ - الباب الثالث عشر في أقوال العلماء في عمل المولد الشريف و اجتماع الناس له و ما يحمد من ذلك و ما يذم
الأشياء المحرّمة التي ضمت إليه، لا من حيث الاجتماع لإظهار شعار المولد، بل لو وقع مثل هذه الأمور في الاجتماع لصلاة الجمعة مثلا لكانت قبيحة شنيعة، و لا يلزم من ذلك تحريم أصل الاجتماع لصلاة الجمعة و هو واضح. و قد رأينا بعض هذه الأمور يقع في ليال من رمضان عند اجتماع الناس لصلاة التراويح فلا تحرم التراويح لأجل هذه الأمور التي قرنت بها، كلا بل نقول: أصل الاجتماع لصلاة التراويح سنّة و قربة و ما ضمّ إليها من هذه الأمور قبيح شنيع.
و كذلك نقول: أصل الاجتماع لإظهار شعائر المولد مندوب و قربة. و ما ضمّ إليه من هذه الأمور مذموم و ممنوع. و قوله مع «أن الشهر الذي وقع فيه» إلخ. جوابه أن يقال: إن ولادته (صلّى اللّه عليه و سلم) أعظم النعم علينا و وفاته أعظم المصائب لنا، و الشريعة حثّت على أظهار شكر النّعم و الصبر و السّكون و الكتم عند المصائب. و قد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة و هي إظهار شكر و فرح بالمولود و لم يأمر عند الموت بذبح و لا غيره، بل نهى عن النّياحة و إظهار الجزع، فدلّت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته (صلّى اللّه عليه و سلم) دون إظهار الحزن فيه بوفاته (صلّى اللّه عليه و سلم) و قد قال ابن رجب- (رحمه اللّه تعالى)- في كتاب «اللطائف» في ذمّ الرافضة حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتما لأجل قتل الحسين- رضي اللّه تعالى عنه- لم يأمر اللّه تعالى و لا رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم) باتخاذ أيام مصائب الأنبياء و موتهم مأتما فكيف بمن هو دونهم؟
و قد تكلم الإمام أبو عبد اللّه بن الحاجّ- (رحمه اللّه تعالى)- في كتابه «المدخل» على عمل المولد فأتقن الكلام فيه جدا و حاصله: مدح ما كان فيه من إظهار شعار و شكر، و ذمّ ما احتوى عليه من محرّمات و منكرات. و أنا أسوق كلامه فصلا فصلا. قال: فصل في المولد:
و من جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات و إظهار الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد و قد احتوى ذلك على بدع و محرّمات جملة.
فمن ذلك: استعمال المغاني و معهن آلات الطرب من الطّار المصرصر [١] و الشّبّابة و غير ذلك مما جعلوه آلة للسماع و مضوا في ذلك على العوائد الذّميمة في كونهم يشغلون أكثر الأزمنة التي فضّلها اللّه تعالى و عظّمها ببدع و محدثات، و لا شك أن السماع في غير هذه الليلة فيه ما فيه، فكيف به إذا انضمّ إلى فضيلة هذا الشهر العظيم الذي فضله اللّه تعالى و فضلنا فيه بهذا النبي الكريم الذي منّ اللّه علينا فيه بسيّد الأوّلين و الآخرين، و كان يجب أن يزداد فيه من العبادة و الخير شكرا للمولى على ما أولانا به من هذه النّعم العظيمة و إن كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات. و ما ذاك إلا برحمته (صلّى اللّه عليه و سلم) لأمته و رفقه بهم لأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يترك العمل خشية أن يفرض على أمته رحمة منه بهم، لكن أشار (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى
[١] المصرصر: الشديد الصوت. المعجم الوسيط ١/ ٥١٥.