سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٩ - الباب الثالث عشر في أقوال العلماء في عمل المولد الشريف و اجتماع الناس له و ما يحمد من ذلك و ما يذم
فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة و شناعة إذ لم يفعله أحد من متقدّمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام و علماء الأنام سرج الأزمنة و زين الأمكنة.
و الثاني: أن تدخله الجناية و تشتد به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء و نفسه تتبعه و قلبه يؤلمه و يوجعه لما يجد من ألم الحيف، و قد قال العلماء (رحمهم اللّه تعالى): أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف، لا سيّما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء من البطون الملأى بآلات الباطل من الدّفوف و الشّبّابات و اجتماع الرجال مع الشباب المرد و النساء الغانيات إما مختلطات بهن أو متشرّفات و الرقص بالتثنّي و الانعطاف و الاستغراق في اللهو و نسيان يوم المخاف، و كذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتّهنيك و التّطريب في الإنشاد و الخروج في التلاوة و الذكر المشروع و الأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ و هذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، و لا يستحسنه ذو المروءة الفتيان، و إنما يحلو ذلك بنفوس موتى القلوب و غير المستقيلين من الآثام و الذنوب، و أزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المنكرات المحرّمات. فإنا للّه و إنا إليه راجعون، بدأ الإسلام غريبا و سيعود كما بدأ! و للّه درّ شيخنا القشيري (رحمه اللّه تعالى) حيث يقول فيما أجازناه:
قد عرف المنكر و استنكر ال* * * معروف في أيّامنا الصّعبة
و صار أهل العلم في وهدة* * * و صار أهل الجهل في رتبه
حادوا عن الحقّ فما للّذي* * * سادوا به فيما مضى نسبه
فقلت للأبرار أهل التّقى* * * و الدّين لما اشتدّت الكربة
لا تنكروا أحوالكم قد أتت* * * نوبتكم في زمن الغربة!
و لقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء (رحمه اللّه تعالى) حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجّب من العجب!.
هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه. و هذا ما علينا أن نقول و من اللّه تعالى نرجو حسن القبول.
هذا جميع ما أورده الفاكهاني- (رحمه اللّه تعالى)- في كتابه المذكور.
و تعقّبه الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- في فتاويه فقال: أمّا قوله: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب و لا سنّة فيقال عليه: نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود، و قد استخرج له إمام الحفاظ أبو الفضل بن حجر أصلا من السنة و استخرجت أنا له أصلا ثانيا. قلت: و تقدم ذكرهما.
و قوله بل هو بدعة أحدثها البطّالون إلى قوله: «و لا العلماء المتدينون» يقال عليه: إنما