سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٤ - الباب الثالث عشر في أقوال العلماء في عمل المولد الشريف و اجتماع الناس له و ما يحمد من ذلك و ما يذم
فاعله إذ أحسن القصد، و لا يختص ذلك بالفقراء دون الأغنياء، إلا أن يقصد مواساة الأحوج فالفقراء أكثر ثوابا، نعم إن كان الاجتماع كما يبلغنا عن قرّاء هذا الزمان من أكل الحشيش و اجتماع المردان و إبعاد القوّال إن كان بلحية و إنشاد المشوّقات للشهوات الدنيوية و غير ذلك من الخزي و العياذ باللّه تعالى فهذا مجمع آثام.
و قال الشيخ الإمام جمال الدين بن عبد الرحمن بن عبد الملك الشهير (٣) بالمخلّص الكتاني- (رحمه اللّه تعالى)- مولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مبجّل مكرّم، قدّس يوم ولادته و شرّف و عظم، و كان وجوده (صلّى اللّه عليه و سلم) مبدأ سبب النجاة لمن اتبعه و تقليل حظّ جهنم لمن أعدّ لها لفرحه بولادته (صلّى اللّه عليه و سلم) و تمّت بركاته على من اهتدى به، فشابه هذا اليوم يوم الجمعة من حيث أن يوم الجمعة لا تسعّر فيه جهنم، هكذا ورد عنه (صلّى اللّه عليه و سلم) فمن المناسب إظهار السرور و إنفاق الميسور و إجابة من دعاه ربّ الوليمة للحضور.
و قال الإمام العلّامة ظهير الدين جعفر التزمنتيّ- (رحمه اللّه تعالى)-: هذا الفعل لم يقع في الصّدر الأول من السلف الصالح مع تعظيمهم و حبهم له إعظاما و محبة لا يبلغ جمعنا الواحد منهم و لا ذرّة منه، و هي بدعة حسنة إذا قصد فاعلها جمع الصالحين و الصلاة على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و إطعام الطعام للفقراء و المساكين، و هذا القدر يثاب عليه بهذا الشرط في كل وقت، و أما جمع الرعاع و عمل السّماع و الرقص و خلع الثياب على القوّال بمروديّته و حسن صوته فلا يندب بل يقارب أن يذمّ، و لا خير فيما لم يعمله السلف الصالح، فقد
قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أوّلها».
و قال الشيخ نصير الدين أيضا: ليس هذا من السّنن، و لكن إذا أنفق في هذا اليوم و أظهر السرور فرحا بدخول النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في الوجود و اتخذ السماع الخالي عن اجتماع المردان و إنشاد ما يثير نار الشهوة من العشقيات و المشوّقات للشهوات الدنيويّة كالقدّ و الخدّ و العين و الحاجب، و إنشاد ما يشوّق إلى الآخرة و يزهّد في الدنيا فهذا اجتماع حسن يثاب قاصد ذلك و فاعله عليه، إلا أن سؤال الناس ما في أيديهم بذلك فقط بدون ضرورة و حاجة سؤال مكروه، و اجتماع الصّلحاء فقط ليأكلوا ذلك الطعام و يذكروا اللّه تعالى و يصلّوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يضاعف لهم القربات و المثوبات.
و قال الإمام الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتابه: «الباعث على إنكار البدع و الحوادث» قال الربيع: قال الشافعي- (رحمه اللّه تعالى) و رضي عنه-: المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة الضلالة. و الثانية: ما أحدث من الخير مما لا خلاف فيه لواحد من هذا