سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥٥ - تفسير الغريب
أجاب عن ذلك عقيل بن أبي طالب بثلاثة أجوبة: الأول أنها أخبار آحاد فلا تعارض القاطع.
الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء و اللّه أعلم بالسبب.
الثالث: قصر التعذيب في هذه الأحاديث على من بدّل و غيّر الشرائع و شرع من الضلال ما لا يعذر به. فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام: الأول من أدرك التوحيد ببصيرته ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعة كقسّ بن ساعدة [١] و زيد بن عمرو بن نفيل. و منهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم كتبّع و قومه.
الثاني: من بدّل و غيّر و أشرك و لم يوحد و شرع لنفسه فحلّل و حرّم و هم الأكثر، كعمرو ابن لحيّ أول من سيّب السوائب و وصل الوصيلة و حمى الحامي. و زادت طائفة على ما شرعه أن عبدوا الجن و الملائكة و خرقوا البنين و البنات، و اتخذوا بيوتا جعلوا لها سدنة و حجّابا يضاهون بها الكعبة كاللات و العزى و مناة.
الثالث: من لا يشرك و لم يوحد و لا دخل في شريعة نبي، و لا ابتكر لنفسه شريعة و لا اخترع دينا، بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله. و في الجاهلية من كان كذلك.
فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة أقسام فيحمل من صحّ تعذيبه على أهل القسم الثاني بكفرهم بما لا يعذرون به. و أما القسم الثالث فهم أهل فترة حقيقة، و هم غير معذّبين للقطع كما تقدم.
و أما القسم الأول فقد قال (صلّى اللّه عليه و سلم) في كلّ من قسّ و زيد: إنه يبعث أمّة وحده. و أما تبّع و نحوه فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه، ما لم يلحق أحد منهم الإسلام الناسخ لكل دين. انتهى. ما أورده الآبي (رحمه اللّه تعالى).
المسلك الثاني: أنهما لم يثبت عنهما شرك بل كانا على الحنيفيّة دين جدّهما إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم)، كما كان زيد بن عمرو بن نفيل و أضرابه في الجاهلية. و مال إلى هذا المسلك الإمام فخر الدين الرازي (رحمه اللّه تعالى). و زاد أن آباءه (صلّى اللّه عليه و سلم) كلهم إلى آدم كانوا على التوحيد.
كما قال في كتابه «أسرار التنزيل» ما نصه: قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه.
و احتجوا عليه بوجوه. منها: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا. و يدل عليه وجوه. أحدها: قوله تعالى: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ. قيل معناه: أنه كان ينقل نوره من
[١] قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك، من بني إياد: أحد حكماء العرب، و من كبار خطبائهم، في الجاهلية.
كان أسقف نجران، و يقال: إنه أول عربي خطب متوكئا على سيف أو عصا، و أول من قال في كلامه «أما بعد». و كان يفد على قيصر الروم، زائرا، فيكرمه و يعظمه. و هو معدود في المعمرين، طالت حياته و أدركه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قبل النبوّة، و رآه في عكاظ، و سئل عنه بعد ذلك، فقال: يحشر أمة وحده. انظر الأعلام ٥/ ١٩٦.