سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧٢ - الباب الرابع في بعض فضائل دخول الكعبة و الصلاة فيها و آداب ذلك
و روى عبد بن حميد و ابن جرير و ابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة بن هبيرة [١] في قوله تعالى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً. قال: آمنا من النار.
و ما أحسن ما أنشده الحافظ أبو طاهر السّلفي [٢] (رحمه اللّه تعالى) لنفسه بعد دخول البيت زاده اللّه تعالى تشريفا و تكريما:
أبعد دخول البيت و اللّه ضامن* * * أ يبقى قبيح و الخطايا كوامن
فحاشا و كلّا بل تسامح كلّها* * * و يرجع كلّ و هو جذلان آمن
فائدتان:
الأولى: قال في شفاء الغرام: دخل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) البيت أربع مرات بعد الهجرة: الأولى يوم الفتح. رواه مسلم [٣] عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، الثانية: ثاني الفتح. رواه الإمام أحمد عن أسامة بن زيد رضي اللّه تعالى عنهما [٤] الثالثة: في عمرة القضية. نقله المحب الطبري في القرى عن عروة و سعيد بن المسيّب. و في ذلك نظر لما سيأتي عن عبد اللّه بن أبي أوفى [٥] رضي اللّه تعالى عنه. الرابعة: في حجة الوداع، رواه أبو داود و الترمذي و ابن ماجة [٦].
الثانية: اتفق الأئمة الأربعة (رحمهم اللّه تعالى) على استحباب دخول الكعبة، و استحسن الإمام مالك رضي اللّه تعالى عنه كثرة دخولها، و أما
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من عندي و هو قرير العين طيب النفس، ثم رجع و هو حزين فقلت له فقال:
«إني دخلت الكعبة و وددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت امتي من بعدي»، رواه الإمام أحمد و الترمذي و صححه
[٧]. فلا دلالة فيه لعدم الاستحباب، بل
[١] يحيى بن جعدة بن هبيرة، بن أبي وهب المخزومي، ثقة و قد أرسل عن ابن مسعود و نحوه، من الثالثة. التقريب ٢/ ٣٤٤.
[٢] السلفي: بفتحتين و فاء إلى مذهب السّلف و بضم أوله إلى سلف بطن من الكلاع و بكسره إلى سلفة جدّ الحافظ أبي طاهر. لب اللباب ٢/ ٢٢.
[٣] أخرجه مسلم ٢/ ٩٦٦ كتاب الحج (٣٨٩/ ١٣٢٩).
[٤] أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢٠٧.
[٥] عبد اللّه بن أبي أوفى علقمة بن خالد الأسلمي أبو إبراهيم، صحابي ابن صحابي. شهد بيعة الرّضوان و روى خمسة و تسعين حديثا، اتفقا على عشرة، و انفرد (خ) بخمسة، و (م) بواحد. و عنه عمرو بن مرّة، و طلحة بن مصرّف و عديّ بن ثابت و الأعمش. قال الذهبي: قيل حديثه عنه مرسل و قد سمع الأعمش ممن مات قبله، فما المانع من أن يكون سمع منه. قال الواقدي: مات سنة ست و ثمانين. و قال أبو نعيم: سنة سبع. قال عمرو بن علي: هو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. الخلاصة ٢/ ٤١.
[٦] أخرجه أبو داود ١/ ٦١٩ كتاب المناسك باب في دخول الكعبة و الترمذي ٣/ ٢٢٣ كتاب الحج.
[٧] أخرجه الترمذي ٣/ ٢٢٣ كتاب الحج باب ما جاء في دخول مكة (٨٧٣) و قال: هذا حديث حسن صحيح و ابن ماجة ٢/ ١٠١٨ كتاب المناسك باب دخول الكعبة (٣٠٦٤).