سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٢ - الباب الثالث عشر في أقوال العلماء في عمل المولد الشريف و اجتماع الناس له و ما يحمد من ذلك و ما يذم
فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين:
«ذاك يوم ولدت فيه»
فتشريف هذا اليوم متضمن تشريف هذا الشهر الذي ولد فيه فينبغي أن نحترمه حق الاحترام و نفضّله بما فضّل اللّه تعالى به الأشهر الفاضلة و هذا منها،
لقوله (صلّى اللّه عليه و سلم) «أنا سيّد ولد آدم و لا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي»
و فضيلة الأزمنة و الأمكنة بما خصها اللّه تعالى به من العبادات التي تفعل فيها، لما قد علم أن الأمكنة و الأزمنة لا تشرف لذاتها. و إنما يجعل التشريف بما خصّت به من المعاني.
فانظر إلى ما خصّ اللّه به هذا الشهر الشريف و يوم الاثنين، ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضل عظيم لأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) ولد فيه؟
فعلى هذا ينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يكرّم و يعظّم و يحترم الاحترام اللائق به، اتباعا له (صلّى اللّه عليه و سلم) في كونه كان يخصّ الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البرّ فيها و كثرة الخيرات. ألا ترى إلى قول ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما-: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أجود الناس بالخير و كان أجود ما يكون في رمضان» فنمتثل تعظيم الأوقات الفاضلة بما امتثله على قدر استطاعتنا.
فإن قال قائل: قد التزم (صلّى اللّه عليه و سلم) في الأوقات الفاضلة ما التزمه في غيره.
فالجواب: أن ذلك لما علم من عادته الكريمة أنه يريد التخفيف عن أمته سيما فيما كان يخصه، ألا ترى إلى أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) حرّم المدينة مثل ما حرّم إبراهيم مكة، و مع ذلك لم يشرع في قتل صيده و لا شجره الجزاء تخفيفا على أمته و رحمة بهم، و كان ينظر إلى ما هو من جهته و إن كان فاضلا في نفسه فيتركه للتخفيف عنهم.
فعلى هذا: تعظيم هذا الشهر الشريف إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه و الصدقات إلى غير ذلك من القربات، فمن عجز عن ذلك فأقلّ أحواله أن يجتنب ما يحرّم عليه و يكره له تعظيما لهذا الشهر الشريف، و إن كان ذلك مطلوبا في غيره إلا أنه في هذا الشهر أكثر احتراما، كما يتأكّد في شهر رمضان و في الأشهر الحرم فيترك الحدث في الدّين و يجتنب مواضع البدع و ما لا ينبغي.
و قد ارتكب بعضهم في هذا الزمان ضدّ هذا المعنى، و [هو] أنه إذا دخل هذا الشهر الشريف تسارعوا فيه إلى اللهو و اللعب بالدّف و الشبابة و غيرهما.
و يا ليتهم عملوا المغاني ليس إلا، بل يزعم بعضهم أنه يتأدّب فيبدأ المولد بقراءة الكتاب العزيز و ينظرون إلى من هو أكثر معرفة بالتهوّك و الطّرق المهيّجة لطرب النفوس، و هذا فيه وجوه من الفساد.
ثم إنهم لم يقتصروا على ما ذكر، بل ضمّ بعضهم إلى ذلك الأمر الخطر، و هو أن يكون