سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤٧ - «حبيب الرحمن»
حبيبا و لا الحبيب إلا خليلا. و قيل: درجة المحبة أرفع. و نقله القاضي عن الأكثر، لأن درجة الحبيب نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم) أرفع من درجة الخليل (صلّى اللّه عليهما و سلّم).
و قيل إن درجة الخلّة أرفع، لحديث:
«لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا»
فلم يتخذه و قد أطلق المحبة لفاطمة و ابنيها و أسامة و غيرهم. و سيأتي في الخليل أن المحققين على ذلك.
و ذكر أهل الإشارات في تفضيل المحبة كلاما حسنا فقالوا: الخليل اتصل بواسطة وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و الحبيب بدونها فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى و الخليل مغفرته في حد الطمع: وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ و الحبيب مغفرته في حد اليقين: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و الخليل قال في المحنة «حسبي اللّه» و الحبيب قيل له: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ و الخليل قال: وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ و الحبيب قيل له وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ فأعطى بلا سؤال. و الخليل قال وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ و الحبيب قيل له: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و حاصل ما ذكره القاضي يقتضي تفضيل ذات سيدنا محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) على ذات سيدنا إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم) لا يقال باعتبار ثبوت وصف الخلّة له فيلزم ذلك، لأنا نقول: كلّ منهما ثابت له وصف الخلة و المحبة، إذ لا يسلب عن إبراهيم وصف المحبة لا سيما و الخلّة أخص من المحبة، و لا يسلب عن نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم) وصف الخلّة لا سيّما و قد ثبت في حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه قوله تعالى له ليلة المعراج:
قد اتخذتُك خَليلًا.
و قد قام الإجماع على فضل نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم) على جميع الأنبياء، بل هو أفضل خلق اللّه مطلقا.
و قوله إن الخليل اتصل بالواسطة لا يفيد غرضا في هذا المقام الذي هو بصدده و ليس المراد به قطعا إلا الوصول إلى المعرفة، إذ الوصول الحسّي يمتنع على اللّه تعالى. و أما قوله:
و الحبيب يصل إليه. فالوصول إلى اللّه تعالى لا يكون إلا به حبيبا كان أو خليلا و أما قوله:
«الخليل هو الذي يكون مغفرته في حد الطمع» إلى آخره فإنه لا يصلح أن يكون على وجه التفسير للخليل و لا تعلّق له بمعناه. و قصارى ما ذكره يعطي تفضيل نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم) في حد ذاته من غير نظر إلى ما جعله علة معنوية في ذلك من وصف المحبة و الخلّة.
«حبيب الرحمن»:
ورد في حديث المعراج عن أبي هريرة رضي اللّه عنه. رواه البزّار و غيره