سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٣ - الباب السادس في وضعه (صلّى اللّه عليه و سلم) و النور الذي خرج معه و تدلّي النجوم له و نزوله ساجدا على الأرض بيديه و ما رأته قابلته الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنه من الآيات
لمّا استهلّ المصطفى طالعا* * * أضاء الفضا من نوره السّاطع
و عطّر الكون شذا عطره الطّ* * * يّب من دان و من شاسع
و نادت الأكوان من فرحة* * * يا مرحبا بالقمر الطالع
و روى ابن سعد عن موسى بن عبيدة [١] (رحمه اللّه تعالى) عن أخيه قال: لما ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فوقع على الأرض وقع على يديه رافعا رأسه إلى السماء و قبض قبضة من تراب، فبلغ ذلك رجلا من لهب فقال لصاحبه: انجه لئن صدق الفأل ليغلبنّ هذا المولود أهل الأرض.
و روى ابن سعد و أبو نعيم بسند قوي عن حسّان بن عطية- (رحمه اللّه تعالى):- و رضي عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لمّا ولد وقع على كفيه و ركبتيه شاخصا ببصره إلى السماء. زاد السّهيلي: مقبوضة أصابع يده مشيرا بالسبّابة كالمسبّح بها.
قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين الجوجريّ [٢] (رحمه اللّه تعالى): و في رفع بصره (صلّى اللّه عليه و سلم) في تلك الحال إشارة و إيماء إلى ارتفاع شأنه و علوّ قدره و أنه يسود الخلق أجمعين، و كان هذا من آياته (صلّى اللّه عليه و سلم)، و هو أنه أوّل فعل وجد منه في أوّل ولادته، و فيه إشارة و إيماء لمن له تأمّل إلى أن جميع ما يقع له من حين يولد إلى حين يقبض (صلّى اللّه عليه و سلم) ما يدل عليه العقل فإنه (صلّى اللّه عليه و سلم) لا يزال متزايد الرفعة في كل وقت و حين، عليّ الشأن على المخلوقات. و في رفعه (صلّى اللّه عليه و سلم) رأسه إشارة و إيماء إلى كل سؤدد و أنه لا يتوجه قصده إلّا إلى جهات العلوّ دون غيرها مما لا يناسب قصده.
و روى ابن الجوزي في «الوفا» عن أبي الحسين بن البراء- مرسلا- (رحمه اللّه تعالى) قال: قالت آمنة وجدته جاثيا على ركبتيه ينظر إلى السماء، ثم قبض قبضة من الأرض و أهوى ساجدا.
قال بعض أهل الإشارات: لما ولد عيسى (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا فأخبر عن نفسه بالعبودية و الرسالة، و نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم) وضع ساجدا و خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق و المغرب، و قبض قبضة من تراب و رفع رأسه إلى السماء فكانت عبودية عيسى المقال، و عبودية محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) الفعال، و رسالة عيسى بالإخبار، و رسالة محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) بظهور الأنوار.
[١] موسى بن عبيدة بن نشيط العدوي مولاهم أبو محمد الرّبذي بفتح المهملة و الموحدة المدني. عن محمد بن كعب و نافع و جماعة. و عنه شعبة و ابن المبارك و طائفة. ضعفه ابن المديني و النسائي و ابن عدي و جماعة. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث و ليس بحجة. مات سنة ثلاث و خمسين و مائة بالربذة. الخلاصة ٣/ ٦٨.
[٢] محمد بن عبد المنعم بن محمد الجوجري: فاضل مصري، من فقهاء الشافعية. ولد بجوجر (قرب دمياط) و تحوّل إلى القاهرة صغيرا، فتعلم، و ناب في القضاء، ثم تعفف عن ذلك. و مات بمصر. من كتبه «شرح الإرشاد» لابن المقري، و «شرح شذور الذهب» و «شرح همزية البوصيري». و توفي سنة ٨٨٩ ه. الأعلام ٦/ ٢٥١، و الضوء اللامع ٨/ ١٢٣.