سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٠ - الباب الثالث عشر في أقوال العلماء في عمل المولد الشريف و اجتماع الناس له و ما يحمد من ذلك و ما يذم
أحدثه ملك عادل عالم و قصد به التقرّب إلى اللّه تعالى، و حضر عنده فيه العلماء و الصّلحاء من غير نكير منهم. و ارتضاه ابن دحية- (رحمه اللّه تعالى)- و صنف له من أجله كتابا، فهؤلاء علماء متديّنون رضوه و أقرّوه و لم ينكروه.
و قوله: «و لا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع» يقال عليه: إن الطلب في المندوب تارة يكون بالنصّ و تارة يكون بالقياس، و هذا و إن لم يرد فيه نص ففيه القياس على الأصلين الآتي ذكرهما.
و قوله: «و لا جائز أن يكون مباحا لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين» كلام غير مستقيم لأن البدعة لم تنحصر في الحرام و المكروه، بل قد تكون أيضا مباحة و مندوبة و واجبة. قال النووي- (رحمه اللّه تعالى)- في «تهذيب الأسماء و اللّغات: البدعة في الشرع: هي ما لم يكن في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هي منقسمة إلى حسنة و قبيحة». و قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام- (رحمه اللّه تعالى)- في القواعد: البدعة منقسمة إلى واجبة و إلى محرمة و مندوبة و مكروهة و مباحة. قال: و الطريق في ذلك أن نعرض البدعة على قواعد الشّرع، فإذا دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي محرّمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة. و ذكر لكل قسم من هذه الخمسة أمثلة منها: إحداث الرّبط و المدارس و كل إحسان لم يعهد في العصر الأول. و منها التراويح و الكلام في دقائق التصوّف و في الجدل و منها جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه اللّه تعالى.
و روى البيهقي بإسناده في «مناقب الشافعي» عن الشافعي- (رحمه اللّه تعالى)- و رضي عنه قال: المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة و الثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا. و هذه محدثة غير مذمومة. و قد قال عمر- رضي اللّه تعالى عنه- في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه. يعني أنها محدثة لم تكن و إذا كانت ليس فيها ردّ لما مضى. هذا آخر كلام الشافعي.
فعرف بذلك منع قول الشيخ تاج الدين: «و لا جائز أن يكون مباحا» إلى قوله: «و هذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة» إلخ لأن هذا القسم مما أحدث و ليس فيه مخالفة لكتاب و لا سنة و لا أثر و لا إجماع، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي و هو من الإحسان الذي، لم يعهد في العصر الأول، فإن إطعام الطعام الخالي من اقتراف الآثام إحسان، فهو من البدع المندوبة كما في عبارة ابن عبد السلام.
و قوله: و الثاني إلخ هو كلام صحيح في نفسه غير أن التحريم فيه إنما جاء من قبل هذه