سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٩ - الباب الرابع في سياق قصة الرضاع و ما وقع فيها من الآيات
ثم شقّ أحدهم من صدري إلى عانتي و أنا أنظر إليه فلم أجد لذلك حسّا و لا ألما ثم أدخل يده في جوفي فأخرج أحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها ثم أعادها. كذا في حديث ابن عباس عند البيهقي، و شدّاد بن أوس عند أبي يعلى، و أبي نعيم.
و في صحيح مسلم: فأتاه جبريل فأخذه فصرعه فشقّ عن قلبه و استخرج القلب، ثم شق القلب فاستخرج منه علقة سوداء فقال: هذا حظ الشيطان منك يا حبيب اللّه. ثم حشاه بشيء كان معه و ردّه مكانه ثم ختمه بخاتم النبوة من نور. فأنا الساعة أجد برد الخاتم في عروقي و مفاصلي. و قام الثالث فقال تنحّيا فقد أنجزتما ما أمركما اللّه تعالى به. ثم دنا مني فأمرّ يده من مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم الشق بإذن اللّه تعالى.
و في حديث عبد اللّه بن عتبة: فأقبل إليّ طائران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه أهو هو؟ قال: نعم فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقّا بطني ثم استخرجا قلبي فشقّاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه: ايتني بماء ثلج فغسلا به جوفي. ثم قال: ايتني بماء برد فغسلا به قلبي. ثم قال ايتني بالسّكينة فذرّاها في قلبي. ثم أخذ بيدي فأنهضني إنهاضا لطيفا ثم قال الأول: زنه بعشرة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم. ثم قال: زنه بمائة فوزنوني بهم فرجحتهم ثم قال: زنه بألف من أمته. فوزنوني بهم فجعلت أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخرّ عليّ بعضهم فرجحتهم، فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم. ثم ضمّوني إلى صدورهم و قبّلوا رأسي و ما بين عينيّ ثم قالوا: يا حبيب اللّه لم ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرّت عيناك.
قالت حليمة: فأتيت به منازل بني سعد فقال الناس: اذهبوا به إلى الكاهن حتى ينظر إليه و يداويه. فقال: ما بي شيء مما تذكرون إني أرى نفسي سليمة، و فؤادي صحيح. فقال الناس أصابه لمم أو طائف من الجن. فغلبوني على أمري فانطلقت به إلى الكاهن فقصصت عليه القصة فقال: دعيني أنا أسمع منه فإن الغلام أبصر بأمره منكم، تكلّم يا غلام. فقصّ قصته عليه. فوثب الكاهن قائما على قدميه و نادى بأعلى صوته: يا للعرب من شرّ قد اقترب اقتلوا هذا الغلام و اقتلوني معه فإنكم إن تركتموه و أدرك مدارك الرجال ليسفّهنّ أحلامكم و ليكذّبن أربابكم و ليدعونّكم إلى ربّ لا تعرفونه و دين تنكرونه قالت: فلما سمعت مقالته انتزعته من يده و قلت لأنت أعته منه و أجنّ، و لو علمت هذا من قولك ما أتيتك به، اطلب لنفسك من يقتلك فإنا لا نقتل محمدا.
فأتيت به منزلي فما أتيت منزلا من منازل بني سعد إلا و قد شممنا منه ريح المسك، فقال الناس: يا حليمة ردّيه إلى جدّه و اخرجي من أمانتك. و قال زوجي: أرى أن نردّه على أمه