سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١١٨ - تنبيهات
ثم قدم عليه شقّ فقال له كقوله لسطيح، و كتم ما قاله سطيح، لينظر أ يتفقان أم يختلفان. قال: نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة و أكمة فأكلت منها كل ذات نسمة.
فلما قال ذلك عرف أنهما قد اتفقا، فقال الملك: ما أخطأت منها شيئا يا شقّ، فما عندك في تأويلها؟.
قال: أحلف بما بين الحرّتين من إنسان، لينزلنّ أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة [١] البنان، و ليملكنّ ما بين أبين إلى نجران.
فقال له: الملك: فمتى هو كائن؟ في زماني أم بعده؟ قال: بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شأن، و يذيقهم كأس الهوان. قال: و من هذا العظيم الشأن؟ قال:
غلام ليس بدنيّ و لا مدنّ، يخرج عليهم من بيت ذي يزن. قال: أ فيدوم سلطانه أم ينقطع؟ قال:
بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق و العدل، بين أهل الدّين و الفضل يكون الملك فيه إلى يوم الفصل. قال: و ما يوم الفصل؟ قال: يوم تجزى فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات يستمع، منها الأحياء و الأموات و يجمع فيه الناس للميقات يكون فيه لمن اتّقى الفوز و الخيرات. فقال: أحقّ ما تقول؟ قال إي و رب السماء و الأرض و ما بينهما من رفع و خفض إنّ ما أنبأتك به لحقّ ما فيه أمض.
قوله: فظع بها. الرواية بضم الفاء و فتحها. و صوّب أبو ذر الخشني الفتح بوزن علم يقال: فظع بالشيء إذا رآه أمرا عظيما.
و العيافة [٢]: زجر الطير و التفاؤل بأسمائها و أصواتها و ممرّها.
و الحممة [٣]: بضم الحاء و فتح الميمين و جمعها حمم و إنما أراد فحمة فيها نار، و لذلك قال: فأكلت منها كلّ ذات جمجمة أي رأس.
و ظلمة: أصلها مسكّن و إنما حركت للسّجع قال السّهيلي (رحمه اللّه تعالى): و ذلك أن الحممة قطعة من نار، و خروجها من ظلمة يشبه خروج عسكر الجيش من أرض السودان.
أرض تهمة بفتح التاء و كسر الهاء يعني واسعة منخفضة، و أكلت منها كل ذات جمجمة أي رأس، و لم يقل ذي جمجمة لأن القصد النفس و النّسمة، فهي أعمّ، و لو جاء بالتذكير لكان مختصا بالإنسان.
[١] في أ: ذي طفل.
[٢] و عاف الشيء يعافه عيفا و عيافة و عيافا و عيفانا كرهه و قيل العياف المصدر و البيافة الاسم، انظر اللسان ٤/ ٣١٩٢.
[٣] الحممة وزان رطبة ما أحرق من خشب و نحوه و الجمع بحذف الهاء المصباح ١٥٢.