سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١١٧ - تنبيهات
و روى ابن عساكر عن ابن إسحاق- (رحمه اللّه تعالى)- قال: إن ربيعة بن نصر اللّخمي رأى رؤيا هالته و فظع بها، فلم يدع كاهنا و لا ساحرا و لا عائفا و لا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني و فظعت بها فأخبروني بتأويلها. قالوا: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها. قال: إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها، إنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها.
فقيل له: إن كنت تريد هذا فابعث إلى سطيح [١] و شقّ [٢]، فإنه ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانك بما تسأل عنه.
فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شقّ، فقال: إني رأيت رؤيا هالتني و فظعت بها، فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها. فقال: رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة، فأكلت كل ذات جمجمة. فقال الملك: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟ فقال: أحلف بما بين الحرّتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش فليهلكن ما بين أبين إلى جرش. فقال الملك: و أبيك يا سطيح إنّ هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين من السنين. قال: أ فيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع و سبعين من السنين، ثم يقتلون و يخرجون منها هاربين قال: و من يلي ذلك من قتلهم و إخراجهم؟ قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن: قال أ فيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال بل ينقطع. قال: و من يقطعه؟ قال: نبيّ زكيّ يأتيه الوحيّ من قبل العليّ. قال: و ممن هذا النبي؟ قال: رجل من بني غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال: و هل للدهر من آخر؟ قال: نعم يوم يجمع فيه الأولون و الآخرون، يسعد به المحسنون و يشقى به المسيئون. قال: أحقّ ما تخبرني به؟ قال: نعم و الشّفق و الغسق، و الفلق إذا اتّسق إن ما أنبأتك به لحقّ.
[١] ربيع بن ربيعة بن مسعود بن عديّ بن الذئب، من بني مازن، من الأزد: كاهن جاهليّ غساني. من المعمرين، يعرف بسطيح. كان العرب يحتكمون إليه و يرضون بقضائه، حتى أن عبد المطلب بن هاشم- على جلالة قدره في أيامه- رضي به حكما بينه و بين جماعة من قيس عيلان، في خلاف على ماء بالطائف، كانوا يقولون إنه لهم. و كان يضرب المثل بجودة رأيه، قال ابن الرومي:
«تبدي له سرّ العيون كهانة* * * يوحي بها رأي كرأي سطيح»
و قال الفيروزآبادي: سطيح، كاهن بني ذئب، ما كان فيه عظم سوى رأسه. و زاد الزبيدي: كان أبدا منبسطا منسطحا على الأرض لا يقدر على قيام و لا قعود، و يقال: كان يطوى كما تطوى الحصيرة و يتكلم بكل أعجوبة. توفي سنة ٥٢ ق. ه. الأعلام ٣/ ١٤.
[٢] شق بن صعب بن يشكر بن رهم القسري البجلي الأنماري الأزدي: كاهن جاهلي، من عجائب المخلوقات. و عاش شق إلى ما بعد ولادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فيما يقال. و قد عمر طويلا. و يذكرون أنه كان نصف إنسان: له يد واحدة، و رجل واحدة و عين واحدة. و قال ابن حزم إن له نسلا، اشتهر منه في العصر المرواني «خالد» و «أسد» القسريان، و كان أولهما أمير العراقين لهشام بن عبد الملك، و الثاني والي خراسان. توفي سنة ٥٥ ق. ه. الأعلام ٣/ ١٧٠.