سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠٦ - الباب التاسع فيما أخبر به الأحبار و الرهبان و الكهان بأنه النبي المبعوث في آخر الزمان
و خرجت معه حتى انتهيت إلى بيت المقدس فدخل فجعل يصلي، و كان فيما يقول لي: يا سلمان إن اللّه سوف يبعث رسولا اسمه أحمد يخرج بتهامة، و إنه يأكل الهدية و لا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة و هذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب، فأمّا أنا فإني شيخ كبير و لا أحسبني أدركه، فإذا أدركته أنت فصدّقه و اتبعه. قلت و إن أمرني بترك دينك و ما أنت عليه؟
قال: نعم.
ثم خرج من بيت المقدس، و على بابه مقعد، فقال: ناولني يدك. فناوله، فقال: قم باسم اللّه. فقام كأنما نشط من عقال فخلّى عن يده، فانطلق ذاهبا و كان لا يلوي على أحد. فقال المقعد: يا غلام احمل عليّ ثيابي حتى أنطلق. فحملت عليه ثيابه و انطلق الراهب. فكلما سألت عنه قالوا: أمامك فسرت حتى قدمت الشام، فقلت: من أفضل هذا الدين؟ فقيل الأسقف صاحب الكنيسة، فجئته فقلت له: إني أحببت أن أكون معك في كنيستك و أعبد اللّه فيها معك و أتعلم منك الخير. قال: فكن معي، فكنت معه، و كان رجل سوء، كان يأمرهم بالصدقة و يرغبهم فيها حتى إذا جمعوها إليه لم يعطها للمساكين، فأبغضته بغضا شديدا لما رأيت من حاله، فلم ينشب أن مات، فلما جاءوا ليدفنوه قلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، كان يأمركم بالصدقة و يرغبكم فيها حتى إذا جمعتموها إليه اكتنزها و لم يعطها للمساكين، فقالوا: و ما علامة ذلك؟ قلت: أنا أخرج لكم كنزه. فقالوا: هاته. فأخرجت لهم سبع قلال مملوءة ذهبا و ورقا، فلما رأوا ذلك رجموه بالحجارة و قالوا: لا ندفنه أبدا فصلبوه على خشبة و رموه بالحجارة. و جاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه، فلا و اللّه ما رأيت رجلا قط يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه و أشد اجتهادا و لا زهادة في الدنيا، و لا أدأب ليلا أو نهارا منه و ما أعلمني أحببت شيئا قط حبّه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة فقلت له يا فلان قد حضرك ما ترى، و إني و اللّه ما أحببت شيئا قط حبّك فما ذا تأمرني و إلى من توصيني؟ فقال لي: أي بنيّ و اللّه ما أعلمه إلا رجلا بالموصل فائته فإنك ستجده على مثل حالي.
فلما مات لحقت بالموصل فأتيت صاحبه فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد و الزهادة في الدنيا، فقلت له: إن فلانا أوصى بي إليك أن آتيك و أكون معك. فقال: فأقم عندي. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه، حتى حضرته الوفاة فقلت: إنّ فلانا أوصى بي إليك و قد حضرك من أمر اللّه ما ترى فإلى من توصيني؟ قال: و اللّه ما أعلمه أي بنيّ إلا رجلا بنصيبين، و هو على مثل ما نحن عليه فالحق به. فلما دفنّاه لحقت بالآخر فقلت له: يا فلان إن فلانا أوصى بي إلى فلان و فلانا أوصى بي إليك. قال: فأقم عندي فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة فقلت له: يا فلان إنه قد حضرك من أمر اللّه ما ترى، و قد كان فلان أوصى بي إلى فلان و أوصى بي فلان إلى فلان، و أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصيني؟