سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٩٠ - الباب الرابع في سياق قصة الرضاع و ما وقع فيها من الآيات
لتعالجه، فو اللّه إن أصابه ما أصاب إلا حسدا من آل فلان لما يرون من عظيم بركته يا حليمة أخذناه و لنا أعنز عجاف فهن اليوم ثلاثمائة.
قالت: فعزمت على ذلك. فسمعت مناديا ينادي: هنيئا لك يا بطحاء مكة اليوم يردّ إليك النّور و الدّين و البهاء و الكمال فقد أمنت أن تخذلي أو تخزي أبد الآبدين.
قال ابن إسحاق (رحمه اللّه تعالى): و زعم الناس فيما يتحدثون- و اللّه تعالى أعلم- أن أمه السعدية لمّا قدمت به مكة أضلّها في الناس و هي مقبلة نحو أهله، فالتمسته فلم تجده فأتت عبد المطلب فقالت: إني قدمت بمحمد هذه الليلة فلما كنت بأعلى مكة أضلّني، فو اللّه ما أدري أين هو. فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو اللّه تعالى أن يردّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عليه. زاد البيهقي (رحمه اللّه تعالى): فقال عبد المطلب:
يا ربّ إن محمّدا لم يوجد* * * فجمع قومي كلّهم مبدّد
زاد ابن سعد و ابن الجوزي فقال عبد المطلب:
لا همّ ردّ راكبي محمّدا* * * اردده لي ثمّ اتّخذ عندي يدا
أنت الّذي جعلته لي عضدا* * * لا يبعد الدّهر به فيبعدا
أنت الذي سمّيته محمدا
فسمع هاتفا من السماء: أيها الناس لا تضجّوا إن لمحمد (صلّى اللّه عليه و سلم) ربّا لن يخذله و لن يضيعه. فقال عبد المطلب: من لنا به؟ فقال: إنه بوادي تهامة عند الشجرة اليمنى. فركب عبد المطلب نحوه و تبعه ورقة بن نوفل و سار فإذا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قائم تحت شجرة يجذب غصنا من أغصانها فقال له جده: من أنت يا غلام؟ قال: أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب.
قال: و أنا جدّك فدتك نفسي. و احتمله و عانقه و هو يبكي ثم رجع إلى مكة و هو قدّامه على قربوس فرسه فاطمأنت قريش، و نحر عبد المطلب عشرين جزورا و ذبح الشّياه و البقر و أطعم أهل مكة من ذلك. انتهى.
قالت حليمة: فقالت أمه: ما ردّكما به يا ظئر فقد كنتما عليه حريصين؟ قلنا: نخشى الأتلاف و الأحداث فقالت: ما ذاك بكما اصدقاني شأنكما. فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره.
فقالت: أ خشيتما عليه الشيطان؟ كلا و اللّه ما للشيطان عليه سبيل، و اللّه إنه لكائن لا بني هذا شأن، ألا أخبركما خبره؟ قلنا: بلى. قالت: حملت به فما حملت حملا قط أخفّ منه، فأريت في النوم حين حملت به خرج منّي نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، ثم وقع حين ولدته وقعا ما يقعه المولود، معتمدا على يديه رافعا رأسه إلى السماء.
قالت حليمة: و حدثت عبد المطلب حديثه كله فقال: يا حليمة إن لابني هذا شأنا