سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠٧ - الباب التاسع فيما أخبر به الأحبار و الرهبان و الكهان بأنه النبي المبعوث في آخر الزمان
فقال: أي بني، و اللّه ما أعلم أحدا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بعموريّة من أرض الروم ائته فإنك ستجده على مثل ما كنا عليه. فلما مات و واريته خرجت حتى قدمت على صاحب عموريّة، فوجدته على مثل حالهم فأقمت عنده و اكتسبت حتى كانت لي غنيمة و بقرات، ثم حضرته الوفاة، فقلت: يا فلان إن فلانا أوصى بي إلى فلان، و فلان أوصى بي إلى فلان، و فلان إلى فلان، و فلان إليك و قد حضرك ما ترى من أمر اللّه تعالى، فإلى من توصيني؟ فقال: أي بني و اللّه ما أعلم بقي أحد على مثل ما كنا عليه أمرك أن تأتيه، و لكنه قد أظلّك زمان نبيّ يبعث من الحرم، مهاجره بين حرّتين إلى أرض سبخة ذات نخل، و إن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية و لا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلّك زمانه.
فلما واريناه أقمت حتى مرّت رجال من تجار العرب من كلب، فقلت لهم: احملوني معكم حتى تقدموا بي أرض العرب فأعطيكم غنيمتي هذه و بقراتي؟ قالوا: نعم. فأعطيتهم إياها فحملوني حتى إذا جاءوا بي وادي القرى ظلموني فباعوني عبدا من يهودي بوادي القرى.
فو اللّه لقد رأيت النخل و طمعت أن تكون البلد الذي نعت لي صاحبي، و ما خفيت عنّي، حتى قدم رجل من بني قريظة من يهود بوادي القرى فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده، فخرج بي حتى قدم بي المدينة.
و في لفظ: فاشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها. و في رواية: اسمها خليسة بنت فلان حليف بني النجّار.
فو اللّه ما هو إلا أن رأيتها عرفتها، فعرفت نعته فأقمت في رقّي مع صاحبي في نخله.
و في رواية أنه مكث كذلك ستة عشر شهرا.
قال: فو اللّه إني لفيها إذ جاء ابن عم له فقال: يا فلان، قاتل اللّه بني قيلة، فو اللّه إنهم الآن لفي قباء يجتمعون على رجل جاءهم من مكة يزعمون أنه نبيّ.
فو اللّه ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العرواء يعني الرّعدة حتى ظننت لأسقطن على صاحبي و نزلت أقول: ما هذا الخبر؟ ما هو؟ فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة و قال:
مالك و لهذا؟ أقبل على عملك. فقلت: لا شيء إلا أنني سمعت خبرا فأحببت أن أعلمه.
فخرجت و سألت فلقيت امرأة من أهل بلادي فسألتها، فإذا أهل بيتها قد أسلموا، فدلّتني على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأمسيت و كان عندي شيء من طعام فحملته و ذهبت به إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو بقباء فقلت: بلغني أنك رجل صالح، و أن معك أصحابا غرباء، و قد كان عندي شيء من الصدقة، فرأيتكم أحقّ من هذه البلاد فها هو ذا فكل. فأمسك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يده و
قال: لأصحابه كلوا و لم يأكل.
فقلت في نفسي: هذه خلّة مما وصف لي صاحبي.