سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٦٦ - تفسير الغريب
و نقل البلاذريّ عن محمد بن السائب (رحمه اللّه تعالى) أن ركبا من جذام صدروا عن الحج ففقدوا رجلا منهم غالته بيوت مكة، فلقوا حذافة بن غانم بن عامر بن عوف فأخذوه فربطوه ثم انطلقوا به، فتلقّاهم عبد المطلب مقبلا من الطائف معه ابنه أبو لهب يقوده و قد ذهب بصره، فلما نظر إليه حذافة هتف به فقال عبد المطلب لابنه أبي لهب: ويلك ما هذا؟ قال:
هذا حذافة بن غانم مربوطا مع ركب. قال: فالحقهم فاسألهم ما شأنهم. فلحقهم فأخبروه فرجع إلى عبد المطلب فأخبره فقال: ما معك. قال: و اللّه ما معي شيء. قال فالحقهم لا أمّ لك فأعطهم بيدك و أطلق الرجل. فلحقهم أبو لهب فقال: قد عرفتم تجارتي و مالي و أنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية ذهبا و عشرا من الإبل و حمرا و فرسا، و هذا ردائي رهنّا بذلك. فقبلوا منه فأطلقوا حذافة فأقبل به، فلما سمع عبد المطلب صوت أبي لهب قال: و أبي إنك لعاص ارجع لا أم لك! قال: يا أبتاه هذا الرجل معي فناداه عبد المطلب: يا حذافة أسمعني صوتك. فقال حذافة: ها أنا ذا بأبي أنت و أمي يا ساقي الحجيج أردفني. فأردفه حتى دخل مكة فقال حذافة:
بنو شيبة الحمد الّذي كان وجهه* * * يضيء ظلام اللّيل كالقمر البدر
كهولهم خير الكهول و نسلهم* * * كنسل ملوك لا قصار و لا خزر
لساقي حجيج ثمّ للخير هاشم* * * و عبد مناف ذلك السيّد الفهر
ملوك و أبناء الملوك و سادة* * * تفلّق عنهم بيضة الطّائر الصّقر
متى تلق منهم خارجا في شبابه* * * تجده على أحراء والده يجري
هم ملأوا البطحاء مجدا و سؤددا* * * و هم نكلوا عنّا غواة بني بكر
و هم يغفرون الذّنب ينقم مثله* * * و هم تركوا رأى السّفاهة و الهجر
أ خارج إمّا أهلكنّ فلا تزل* * * بشيبة منكم شاكرا آخر الدّهر
و القصيدة أطول مما ذكر و هذه خلاصتها.
و روى البلاذري عن محمد بن السائب أن عبد المطلب أول من خضب بالوسمة لأن الشيب أسرع إليه فدخل على بعض ملوك اليمن فأشار عليه بالخضاب فغيّر شيبته بالحنّة ثم علاه بالوسمة، فلما انصرف و صار بقرب مكة جدد خضابه و قد كان تزود من الوسمة شيئا كثيرا، فدخل منزله و شعره مثل حلك الغراب، فقالت امرأته نتيلة أم العباس: يا شيب ما أحسن هذا الصبغ لو دام. فقال عبد المطلب:
لو دام لي هذا السّواد حمدته* * * و كان بديلا من شباب قد انصرم
تمتّعت منه و الحياة قصيرة* * * و لا بدّ من موت نتيلة أو هرم
و ما ذا الّذي يجدي على المرء خفضه* * * و نعمته يوما إذا عرشه انهدم