سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠٥ - الباب التاسع فيما أخبر به الأحبار و الرهبان و الكهان بأنه النبي المبعوث في آخر الزمان
فاطلب أحدا يكون معك و احمل معك شيئا تأكله، فإنك لن تستطيع ما نستطيع نحن. ففعلت و لقيت أخي فعرضت عليه فأبى، فأتيتهم فتحمّلوا، فكانوا يمشون و أمشي معهم، فرزق اللّه السلامة حتى قدمنا الموصل، فأتينا بيعة بالموصل، فلما دخلوا حفّوا بهم و قالوا: أين كنتم؟
قالوا: كنا في بلاد لا يذكرون اللّه تعالى عبدة النيران، فطردونا فقدمنا عليكم.
فلمّا كان بعد قالوا: يا سلمان إن ها هنا قوما في هذه الجبال هم أهل دين و إنا نريد لقاءهم فكن أنت ها هنا مع هؤلاء فإنهم أهل دين و سترى منهم ما تحب. قلت: ما أنا بمفارقكم قال: و أوصوا بي أهل البيعة فقال أهل البيعة: أقم معنا يا غلام فإنه لا يعجزك شيء ببيعتنا. قال:
قلت ما أنا بمفارقكم. فخرجوا و أنا معهم فأصبحنا بين جبال، فإذا صخرة و ماء كثير في جرار و خبز كثير، فقعدنا عند الصخرة، فلما طلعت الشمس خرجوا من بين تلك الجبال: يخرج رجل رجلا من مكانه، كأنّ الأرواح انتزعت منهم حتى كثروا فرحبوا بهم و حفّوا و قالوا: أين كنتم؟ قالوا: كنا ببلاد لا يذكرون اللّه تعالى، فيها عبدة النار و ما يعبدون اللّه فيها، فطردونا.
فقالوا: ما هذا الغلام؟ فطفقوا يثنون عليّ و قالوا صحبنا من تلك البلاد فلم نر منه إلا خيرا. قال:
فو اللّه إنهم لكذلك إذ طلع عليهم رجل من كهف طوال، فجاء حتى سلّم عليهم و جلس فحفّوا به و عظّمه أصحابي الذين كنت معهم و أحدقوا به، فقال لهم: أين كنتم؟ فأخبروه. فقال: ما هذا الغلام معكم؟ فأثنوا عليّ خيرا و أخبروه باتّباعي إياهم، و لم أر مثل إعظامهم إياه، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم ذكر من أرسله اللّه تعالى من رسله و أنبيائه و ما لقوا و ما صنع بهم حتى ذكر عيسى ابن مريم و أنه ولد بغير ذكر، فبعثه اللّه رسولا و أجرى على يديه إحياء الموتى و إبراء الأعمى و الأبرص، و أنه يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن اللّه، و أنزل عليه الإنجيل و علّمه التوراة، و بعثه رسولا إلى بني إسرائيل فكفر به قوم و آمن به قوم. و ذكر بعض ما لقي عيسى ابن مريم، و أنه إنما كان عبدا أنعم اللّه عليه فشكره ذلك له و رضي عنه. ثم وعظهم و قال: اتقوا اللّه و الزموا ما جاء به عيسى و لا تخالفوا فيخالف بكم.
ثم أراد أن يقوم فقلت: ما أنا بمفارقك فقال: يا غلام إنك لا تستطيع أن تكون معي، إني لا أخرج من كهفي هذا إلا كل يوم أحد. قلت: ما أنا بمفارقك.
قال: فتبعته حتى دخل الكهف فما رأيته نائما و لا طاعما، إلا راكعا و ساجدا إلى الأحد الآخر، فلما أصبحنا خرجنا و اجتمعوا إليه، فتكلم نحو المرة الأولى ثم رجع إلى كهفه و رجعت معه.
فلبثت ما شاء اللّه، يخرج كلّ يوم أحد و يخرجون إليه و يعظهم، و يوصيهم. فخرج في أحد فقال مثل ما كان يقول ثم قال: يا هؤلاء إني كبرت سنّي و رقّ عظمي و اقترب أجلي و إنه لا عهد لي بهذا البيت من منذ كذا كذا، و لا بد لي من إتيانه. فقلت: ما أنا بمفارقك.